في الوقت الذي راكمت فيه وزارة الداخلية جيشا من القواد والباشوات ورؤساء الدوائر المتمرسين في تدبير الأزمات والشأن الترابي، تواصل الحكومة أحيانا تعيين مسؤولين وافدين من خارج المنظومة الترابية، فيتحول الإقليم إلى قاعة تدريب مفتوحة فوق ظهر المواطنين. المفارقة الصادمة أن رجال السلطة الحقيقيين، الذين صنعهم الميدان لسنوات، يجدون أنفسهم مرؤوسين من طرف مسؤولين يتعلمون أبجديات السلطة بعد التعيين، بينما الإدارة الترابية ليست فضاء للتجريب، بل مؤسسة ترتبط بهيبة الدولة واستقرارها.

تعثر عدد كبير من بعض الأقاليم والمجالس لم يكن بسبب ضعف الميزانيات أو قلة الإمكانيات، بل في كثير من الأحيان بسبب غياب الرجل المناسب في المكان المناسب. فالمسؤول الترابي الأول ليس مجرد موظف يحمل صفة عامل أو والٍ، بل هو محرك الإدارة وقائد التنمية وصانع التوازن داخل الإقليم. وعندما يتحول المنصب إلى تجربة لاكتشاف فنون السلطة بدل ممارستها بكفاءة، تدخل المشاريع في دوامة البطء، وتتراجع هيبة الإدارة، وتضيع سنوات من عمر التنمية في الانتظار والتردد وسوء التقدير لذلك، فنجاح الأقاليم لا تصنعه الشعارات ولا التقارير المزوقة، بل يصنعه مسؤول ترابي يمتلك الحنكة والخبرة والقدرة على القرار، لأن الإقليم الذي يقوده رجل دولة حقيقي يتقدم، أما الذي يدبر الشأن المحلي و يُسير بعقلية المتدرب فيظل عالقا في محطة التخلف مهما توفرت له الإمكانيات.

في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن تعيين مسؤول ترابي جديد قادم من خارج مدرسة وزارة الداخلية، يُطرح السؤال ذاته داخل الكواليس الإدارية هل نحن أمام رجل دولة متدرج جاهز لتدبير الشأن العام، أم أمام مسؤول جاء من خارج وزارة الداخلية ليتعلم فوق ظهر المواطنين..؟
الواقع أن وزارة الداخلية ليست إدارة عادية، بل مدرسة اعطت عشرات الٱلاف من الأطر ومؤسسة راكمت لعقود جيشا من الكفاءات الميدانية قواد، باشوات، رؤساء دوائر، ورؤساء أقسام وكتاب عامين تمرسوا في تفاصيل السلطة الترابية، واحتكوا يوميا بالأزمات الاجتماعية والاحتجاجات والملفات الأمنية والتنموية. غير أن المفارقة الغريبة، أن هؤلاء الأطر الأكفاء يتحولون فجأة إلى مجرد منفذين ينتظرون تعليمات مسؤول “مظلّي” نزل عليهم من السماء الإدارية دون تدرج حقيقي داخل هرم السلطة الترابية، يتعلم أبجديات تدبير الإقليم، بينما رجال السلطة الحقيقيون يراقبون العبث بصمت إداري قاتل، لأن التسلسل الإداري يفرض عليهم الطاعة لا النقاش. فكيف يعقل أن يصبح قائد أو باشا أو رئيس دائرة، قضى سنوات في الميدان، مجرد متفرج على أخطاء مسؤول وافد لا يفرق أحيانا بين تدبير النفوذ الترابي وتدبير مكتب إداري مغلق بشركة..؟ صحيح أن هناك استثناءات صنعت الفارق، ونجحت في فرض نموذج رجل الدولة القادم من خارج المسار التقليدي، ناس جاءت من مراكز الاستثمار والوكالات الحضرية وتمكنوا من امتلاك شخصية القرار وسرعة استيعاب منطق الداخلية وهيبة الدولة. هؤلاء لم يأتوا بعقلية الموظف، بل بعقلية رجل الدولة، فنجحوا في الانصهار داخل منظومة معقدة وحساسة، لكن خارج هذه النماذج القليلة، تبدو الصورة مقلقة. فالدولة أحيانا تُغامر بإرسال مسؤولين إلى الأقاليم قبل أن يكتمل نضجهم الإداري والميداني، فيتحول المواطن إلى حقل تجارب مفتوح، وتتحول الإدارة الترابية إلى فضاء للتكوين التطبيقي بدل الحسم والنجاعة. الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع يخلق إحباطا داخل صفوف رجال السلطة المتدرجين، الذين يشعرون بأن سنوات التكوين والانضباط والعمل الميداني لم تعد معيارا حقيقيا للثقة والترقي. إن تدبير الشأن الترابي ليس دورة تدريبية، ولا مجالا لاكتشاف الذات الإدارية، بل مسؤولية ثقيلة ترتبط بهيبة الدولة واستقرار المؤسسات وثقة المواطنين. لذلك يبقى السؤال المؤلم مطروحا، لماذا تصنع وزارة الداخلية رجالا للسلطة لسنوات طويلة، ثم تضع فوقهم أحيانا مسؤولين يحتاجون هم أنفسهم لمن يشرح لهم كيف يدبر الشأن المحلي وكيف تُدار السلطة..؟









