في زمن المسخ اختلطت فيه الألقاب بالصفات، صار كل من مسك ميكروفوناً أو جلس في الصفوف الأمامية يتقمص دور السياسي والمناضل والعالم والأستاذ والسيد، بينما لا يحمل من السيادة إلا قشرتها. نكرات ألبسهم الجهل والنفاق ثوباً أكبر من مقاسهم، فصاروا يتحدثون بلغة المبادئ، ويتصرفون بمنطق الغرائز؛ عقولهم في إجازة، وأخلاقهم في عطلة، وشهواتهم هي الحزب الحاكم. كل من هب ودب بات يتقمص هيئة المناضل، ويتحدث بلسان الأستاذ والسيد، بينما لا يملك من كل هذه الصفات إلا الخير والاحسان. ألبسهم الجهلة والمنافقون «توب السيادة»، فصدقوا أنفسهم قبل أن يصدقهم أحد. مشكلتهم أن العقل عندهم سيارة وربطة عنق، الأخلاق عندهم عطلة دائمة والسلوك يبدأ بالشهوة وينتهي بالنزوة، بلا بوصلة ولا وازع ولا حتى فرامل. اراهم في صورتهم المجازية، جهل بالفطرة لا يفكرون في الطريق، بل يندفعون خلف الغريزة، ثم يطالبون الناس بأن ينادوهم «سادة»
يا لها من سيادة رخيصة حين يصبح النفاق تاجاً، والجهل ربطة عنق، والغرائز برنامجاً سياسياً.
البرلمان ليس تركة أبيكم كيف توزعون الالقاب والمقاعد على الأبناء والأقارب
افتتاحية السبت والاحد /
هناوي قلم ترونس بريس
يا لها من ديمقراطية عجيبة تلك التي ابتكرها بعض أمناء الأحزاب. المواطن يذهب إلى صندوق الاقتراع مرة كل خمس سنوات، بينما بعض القيادات الحزبية يبدو أنها تريد أن تحسم النتيجة قبل أن يبدأ التصويت. !
لم يعد السؤال عند بعضهم مناضل من يستحق التزكية. ؟ ومن يملك الكفاءة والحضور والقدرة على تمثيل المواطنين. ؟ بل أصبح السؤال الأكثر رواجاً في كواليس الأحزاب «ابن من أنت. ؟ ومن تكون أمك. ؟ ومن يكون عمك هل أنت مستعد لدفع 60 مليون مقابل التزكية. ؟» يحدث هذا في زمن يفترض أن تكون فيه الأحزاب مدارس للديمقراطية وتجديد النخب، بدل تحويل الاحزاب الى دكاكين لبيع التزكيات وإلى ما يشبه مفاتيح إرث سياسي تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن القيادات إلى الأقارب، وكأن المقعد البرلماني قطعة عقارية مسجلة باسم العائلة. . !
والأخطر أن هذه المسرحية تجري تحت عناوين براقة من قبيل تمكين النساء والشباب وتجديد النخب، بينما يكتشف المواطن أن بعض الوجوه الجديدة ليست جديدة تماماً، وإنما هي الجيل الثاني أو الثالث من العائلة السياسية نفسها. وليس حزب الاستقلال وحده المعني بهذا النقاش، وإن كان ما أثير حول لوائحه الجهوية قد أعاد القضية إلى الواجهة بقوة؛ فالمشكلة أوسع من حزب وأسماء بعينها، إنها ثقافة سياسية منحطة بدأت تجعل القرابة أقرب إلى بوابة للترشح من الكفاءة والاستحقاق. أما أمناء الأحزاب يتصرفون وكأنهم يملكون مفاتيح البرلمان، هؤلاء اللصوص عليهم أن يتذكروا أن التزكية ورقة حزبية، أما المقعد النيابي فملك للناخبين، وأن الشعب المغربي لم يفوض أحداً لتوريث صوته لأبنائه وأحفاده.
فالبرلمان مؤسسة وطنية، وليس شركة عائلية محدودة المسؤولية.
ومن يصر على التعامل مع السياسة بمنطق: «الأقربون أولى بالمقاعد»، فعليه أن يستعد لسماع جواب المواطن في صندوق الاقتراع بعد اسابيع ان «المقعد ليس تركة والصوت ليس إرثاً!»









