بنكيران يضع الدولة في موضع الشبهة ليظهر بمظهر المنقد والحارس الوحيد للثوابت

هناوي الهادي27 فبراير 2026Last Update :
بنكيران يضع الدولة في موضع الشبهة ليظهر بمظهر المنقد والحارس الوحيد للثوابت

في المشهد السياسي المغربي، قليلون هم الذين يجيدون تبديل الأقنعة كما فعل وهبي وبالأخص ما يفعل عبد الإله بنكيران. الرجل الذي قدّم نفسه يومًا باعتباره صوت البسطاء، تحوّل مع مرور السنوات إلى عنوان للتذبذب السياسي والخطاب المزدوج؛ يهاجم الامتيازات وهو أول المستفيدين منها، يتحدث عن التقشف وقد غادر المنصب بتقاعد سمين أثار غضب شريحة واسعة من المغاربة، ويُلقي دروسًا في الأخلاق السياسية فيما حصيلته الحكومية الفاشلة ما تزال محل انتقاد واسع بسبب ما يعتبره الملايين من المغاربة سياسات أرهقت القدرة الشرائية وأثقلت كاهل الفئات الهشة.
لقد خرج بنكيران من السلطة، لكن السلطة لم تخرج من حساباته. وبين خطاب وآخر، يحاول إعادة رسم صورته كمدافع عن الشعب، متناسيًا أن قرارات حكومته كانت في نظر منتقديه من بين الأسباب التي عمّقت الإحساس بالضيق الاجتماعي ووسّعت فجوة الثقة. والأكثر استفزازًا في نظر كثيرين هو ذلك التقاعد الذي يُتداول رقمه—سبعة ملايين سنتيم—بوصفه رمزًا لامتياز غير مستحق في زمن تتعالى فيه أصوات تطالب بالعدالة والإنصاف. رجل جاء ليغتني ويخدم مصلحته ويحسن وضعيته المادية كما صرح بلسانه

من موقعي كصحفي، وبكل احترام للمؤسسات، ألتمس من جلالة الملك محمد السادس نصره الله إعادة النظر في ملف التقاعد الغير مستحق الذي تحول إلى جرح رمزي في الوعي العام؛ ليس بدافع الخصومة مع شخص بعينه، بل حرصًا على ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وصونًا لصورة العمل السياسي من كل ما يغذي الإحساس بالتمييز أو الريع. فثقة المواطنين لا تُبنى بالشعارات، بل بإشارات قوية تؤكد أن زمن الامتيازات غير المبررة قد ولى، وأن كرامة المواطن فوق كل اعتبار. من هو وهبي ومن هو بنكيران ومن هي فاطمة الزهراء

في السياسة كما في المسرح، قد يُصفَّق للممثل طويلاً، لكن الستار يسدل في النهاية وحين يُسدل، لا ينفع كثير صراخ من اعتاد الأضواء.

هكذا يبدو المشهد اليوم مع عبد الإله بنكيران، أكرر الذي خرج من رئاسة الحكومة إلى تقاعد مريح لا يحظى به أغلب المغاربة، محاطًا بامتيازات وحراسة، وكأنه عاد من معركة تحرير كبرى، لا من تجربة حكم فاشلة أثارت حولها من الأسئلة بقدر ما أثارت من الجدل.
بنكيران، الذي قدّمه أنصاره ذات يوم باعتباره “صوت الشعب”، يعود اليوم إلى المنابر بخطاب هجومي لا يوفّر أحدًا، آخر فصوله انتقاد وزير الخارجية ناصر بوريطة على خلفية مشاركته في مجلس للسلام ترأسه دونالد ترامب.

الرجل اعتبر أن حديث بوريطة عن مكافحة خطاب الكراهية قد يُفهم وكأنه موجّه ضد الفلسطينيين، محذرًا من تأويلات قد تمس بموقف المغرب من القضية الفلسطينية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل يدافع بنكيران فعلًا عن ثوابت الأمة، أم يوظفها كورقة سياسية في معركة عودة يحلم بها إلى رئاسة الحكومة..؟

المغرب، بقيادة دبلوماسية متزنة، ظل يؤكد في كل المحافل على دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بالتوازي مع تبنّي خطاب يرفض التطرف وخطاب الكراهية أيا كان مصدره. أما القفز إلى استنتاجات توحي بأن محاربة الكراهية تعني استهداف الفلسطينيين، فهو تأويل سياسي أكثر منه قراءة موضوعية. الأخطر من ذلك أن بنكيران لا يكتفي بانتقاد مؤسسات بلاده، بل يوجّه سهامه أيضًا إلى شركاء دوليين، من الولايات المتحدة إلى فرنسا و الامارات العربية المتحدة، في خطاب يبدو أقرب إلى دغدغة العواطف منه إلى حسابات الدولة. الدفاع عن قضايا عادلة لا يكون بالمزايدات، ولا بتحويل السياسة الخارجية إلى منصة شعبوية لاستعادة شعبية مفقودة. الرجل الذي يتهم الآخرين بالتضليل، يمارس بدوره لعبة الإيحاءات الثقيلة يلمّح، يبالغ، ويضع الدولة في موضع الشبهة ليظهر بمظهر الحارس الوحيد للثوابت. غير أن المغاربة، الذين خبروا تجربته في الحكم، يدركون أن الشعارات شيء، وتدبير الدولة شيء آخر. بنكيران اليوم يحلم بعودة انتخابية، ويغازل الشارع بخطاب صدامي، لكنه يتناسى أن الذاكرة السياسية ليست قصيرة إلى هذا الحد. فمن غادر المسؤولية محاطًا بالامتيازات، لا يمكنه أن يعود مرتديًا عباءة المظلومية. السياسة ليست رقصة على إيقاع التصفيق، بل مسؤولية تُقاس بالحصيلة لا بالحماسة. وفي زمن التحولات الكبرى، تحتاج البلاد إلى خطاب رصين يعزز موقعها الدولي، لا إلى بهلوانيات ورقصات سياسية تعيدنا إلى مربع المزايدات.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News