من زمن الزعماء علال وبوعبيد ويعتة إلى زمن «بقرة التزكيات» و«المراحيض إلإلكترونية»

هناوي الهادي25 أغسطس 2026Last Update :
من زمن الزعماء علال وبوعبيد ويعتة إلى زمن «بقرة التزكيات» و«المراحيض إلإلكترونية»

لم يكن ابان ذاك الزمن الغابر الراحل علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد، ولا الزعيم الراحل علي يعتة، في حاجة إلى تحويل الحزب إلى دكان للتزكيات أو إلى سوق انتخابية تقاس فيها قيمة المناضل بقدر ما يضعه في جيبه. كان الزعمين ينتميان إلى زمن كانت فيه المبادئ مبادئ والنضال نضال والسياسة سياسة والتزكية تعني تزكية المناضل، لا تزكية المشبوهين ولا تزكية رصيد الامين العام البنكي ولا دفتر الشيكات؛ كان الانتماء الحزبي يُبنى على النضال والكفاءة والمصداقية، لا على القدرة على تمويل الطريق نحو البرلمان.

أما اليوم، في عهد أحزاب الكيلو فالصورة كما يراها الملك والشعب و المنتقدون ووفق ما تتداوله بعض المنابر الصحفية تبدو أكثر قتامة وسخرية أحزاب عريقة تحولت إلى ما يشبه «بقرات حلوب»، لا ينتهي حليبها إلا عندما تنتهي الانتخابات ومن هنا تطرح علامات استفهام ثقيلة حول ما يتداول عن أثمان التزكيات، وعن إمكانية وصولها إلى أرقام فلكية،

خصوصاً في بعض اللوائح الجهوية.
هزلت المال أصبح بوابة العبور إلى التزكية، فهنا لا تعود القضية مرتبطة بإدريس لشكر أو نبيل بنعبد الله وحدهما، بل تصبح قضية حزبين غريقين وتاريخين سياسيين ومدرستين يساريتين مدرسة كان المناضل فيها يقدم لأنه مناضل، ومدرسة جديدة أصبح فيها المرشح مقدماً على المناضل لأنه قادر على الدفع ولو يكون لا يعرف اىحزب ولو” ما قاري تا وزة سطل“.
في حين الشهداء عبد الرحيم بوعبيد وعلي يعتة كانا يراهنان على الإنسان والمشروع السياسي؛ أما اليوم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل أصبح الحزب يفتش عن المناضل، أم عن الممول صاحب الشكارة.. ؟ وهل صارت التزكية مكافأة على النضال أم فاتورة انتخابية. . ؟
أما الحديث عن تزكية أشخاص مشبوهين أو متورطين في تجارة المخدرات أو رحل ، فلا ينبغي أن يتحول إلى اتهام مجاني لأي شخص بعينه دون وثائق وأحكام أو معطيات موثوقة؛ ثبت وللأسف  أن المال و النفوذ و شبهات الفساد أصبحت معياراً للترشح، ولامحالة سيكون سقوطاً مدوياً لحزب يفترض أنه جاء أصلاً لمحاربة مثل هذه الممارسات إنها ببساطة، مفارقة زمنين زمن كان فيه الحزب يبحث عن المناضل، وزمن يُخشى فيه أن يبحث بعض القائمين عليه عن «الزبون مول الشكارة».
وعندما يدخل الإعلام على الخط… من يحمي الحقيقة. . ؟

الأغرب من كل ذلك أن النقاش لم يعد محصوراً في الأحزاب والتزكيات، بل بدأ يطرح سؤالاً أكثر خطورة هل تحوّلت بعض المنابر الإعلامية إلى جزء من لعبة التلميع السياسي. . ؟ فحين تتحول بعض المنابر، بل وحتى برامج في قنوات واسعة الانتشار مثل القناة الثانية «2M»، إلى فضاءات لتقديم كائنات مثيرة للجدل في صورة مختلفة تماماً عن الصورة التي تلاحقها في النقاش العمومي، فإن الأمر يستحق أكثر من مجرد ابتسامة ساخرة.
ومن حق الرأي العام أن يسأل هل الإعلام جاء ليكشف الحقيقة أم ليضع عليها طبقة من مساحيق التجميل. . ؟ لقد أصبحنا، ويا للعجب، أمام مشهد غريب حزب يبحث عن المال، ومرشح يبحث عن التزكية والمقعد، و بماله يبحث عن النفوذ، ثم إعلام يبحث في بعض الحالات عن زاوية جميلة لتصوير كل ذلك وكأنه انتصار ديمقراطي.! أما بعض المواقع التي لا تمتلك من المهنية إلا الاسم، التي تتحول عند كل موسم انتخابي إلى ما يشبه «مراحيض إلكترونية» تُرمى فيها الفضلات السياسية والإشاعات الموجهة، فهذه حكاية أخرى. فالإعلام المهني لا يفترض أن يكون مكياجاً للمشبوهين، ولا شركة علاقات عامة لمن يريد شراء صورة نظيفة بأموال غير نظيفة.
وبطبيعة الحال، لا يجوز وضع كل الصحافة في سلة واحدة، ولا اتهام مؤسسة إعلامية أو صحافي بعينه دون أدلة واضحة؛ فالمهنية تقتضي التمييز بين الإعلام الذي يمارس حقه في التغطية، أقصد الإعلام الذي تحول إلى أداة لتبييض الصورة والتأثير في الناخبين. وهنا تحديداً يعود السؤال إلى أصله, إذا كان المناضل يستبدل بالممول مول الشكارة، و التزكية تستبدل بالصفقة، و الإعلام يُستعمل لتلميع الواجهات، فمن بقي ليحمي السياسة من تجار السياسة..؟ أكرر ما أسلفت ذكره كان عبد الرحيم بوعبيد وعلي يعتة يقدمان المناضلين إلى المجتمع؛ أما اليوم، فالمطلوب ألا يتحول بعض الإعلام إلى منصة لتقديم «المنتج الانتخابي» بعد تلميعه وتغليفه وإخفاء عيوبه.
تلك ليست ديمقراطية، إن صحت الوقائع، فهي صناعة انتخابية كاملة الأركان تزكية للبيع، صورة للتلميع، وناخب مطلوب منه في النهاية أن يدفع الثمن من ماله وثقته وصوته.. . . يتبع

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News