مدينة المحمدية تلك التي تحول فيها “الفاعل المتعدد الاستعمالات” إلى سياسي والساكنة إلى ضحية قصة تضارب مصالح بنكهة الانتهازية

هناوي الهادي15 أبريل 2026Last Update :
مدينة المحمدية تلك التي تحول فيها “الفاعل المتعدد الاستعمالات” إلى سياسي والساكنة إلى ضحية قصة تضارب مصالح بنكهة الانتهازية

في زمنٍ صار فيه الخلط بين التجارة والسياسة “موهبة” تُكافأ بدل أن تُحاسَب، يطلّ علينا نموذج فريد لرجلٍ قرر أن يضع قدمًا في السوق وأخرى في دهاليز القرار، حتى لا تضيع البوصلة… أو بالأحرى حتى لا تضيع مصالحه. انخراطه في حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقوده عزيز أخنوش، لم يكن بدافع قناعة سياسية بقدر ما بدا كـ“تأمين شامل” ضد تقلبات الزمن، حيث تختلط المبادئ بالصفقات، ويُصبح الانتماء الحزبي مجرد درع واقٍ لا أكثر. لكن شهية هذا “الفاعل المتعدد الاستعمالات” لم تتوقف عند حدود السياسة والتجارة، بل امتدت إلى عالم الرياضة، وكأنها غنيمة أخرى في سوق النفوذ. فدخلها بعقلية التاجر لا بروح المسير، فكانت النتيجة كارثية فريق عريق تحول إلى حقل تجارب، ونادي دفع الثمن غاليًا نتيجة رهانات مرتجلة وتسيير يفتقر لأبسط قواعد الحكامة. وهكذا، لم يكتفِ الرجل بتضارب المصالح، بل أضاف إليه “تضارب الكوارث”، حيث كل مجال يلمسه يخرج منه مثقلاً بالخسائر إلا هو، الذي يبدو أنه الوحيد الرابح في لعبة لا تعترف إلا بالمصالح.

لم تكن المحمدية، التي طالما تغنّى بها عشاقها كـ”مدينة الزهور“، سوى مسرحًا مفتوحًا لعرض عبثي بطلُه رئيس تعامل مع الشأن العام وكأنه ضيعة خاصة، فأعاد عقارب الساعة إلى الوراء، وزرع في جسد المدينة أعطابًا ما زالت آثارها بادية للعيان. أما شباب المحمدية، الفريق الذي كان يومًا مفخرة المدينة وأحد عناوين إشعاعها الرياضي، فقد وجد نفسه ضحية تسيير مرتبك، ألقاه من منصات التألق إلى دركٍ لا يليق بتاريخه، في زمنٍ اختلطت فيه الأهداف الرياضية بحساباتٍ أخرى أقل ما يُقال عنها إنها غامضة.
وخلال الفترة الممتدة بين 2017 و2022، لم تهدأ أصوات الغضب، إذ توالت الانتقادات اللاذعة حول طريقة تدبير مالية الفريق، وكذا أسلوب تسييره الذي أثار أكثر من علامة استفهام، خصوصًا في ما يتعلق بملف تسريح عدد كبير من اللاعبين في ظروف ملتبسة. هذا المسار المرتبك لم يمر مرور الكرام، بل انتهى بانحدار الفريق إلى قسم أدنى، في نتيجة اعتبرها المتتبعون حصيلة منطقية لسلسلة من الأخطاء التسييرية الفادحة. ومع تصاعد الشكوك، اختار بعض من كانوا ضمن محيط التسيير، لكن بعيدين عن القرار المالي، اللجوء إلى القضاء، في خطوة تهدف إلى رفع اللبس وترتيب المسؤوليات. وعلى إثر هذه الشكاية، باشرت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تحقيقاتها، حيث تم الاستماع إلى عدد من الإداريين والمسيرين، في محاولة لفك خيوط ملف تتشابك فيه الأرقام مع علامات الاستفهام. المعطيات الأولية لا تبعث على الاطمئنان، إذ تشير إلى أن التقارير المالية للفترة المعنية لم تكن بالدقة المطلوبة، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام فرضية وجود اختلالات في التدبير. غير أن الكلمة الفصل ستظل رهينة بما ستسفر عنه المحاضر النهائية للتحقيق، التي يُنتظر أن تكشف تفاصيل أدق حول أوجه صرف الأموال وطبيعة الصفقات التي أُبرمت وفي قلب هذه العاصفة، يظل الرئيس السابق، الرياضي والسياسي الكبير بين ضفرين، مطالبًا بتقديم توضيحات شافية حول كل كبيرة وصغيرة همّت مالية الفريق، سواء تعلق الأمر بانتقالات اللاعبين أو بغيرها من المعاملات التي جرت خلال تلك المرحلة. فزمن الصمت انتهى، وزمن المساءلة قد بدأ، وما خفي قد لا يظل طويلاً في الظل.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News