
في مسرح السياسة بالمنطقة، يبدو أن بعض الزعماء اختاروا لأنفسهم أدواراً أكبر بكثير من حجم الخشبة التي يقفون عليها. فالرئيس الجزائري خرج علينا بخطاب ناري يهدد فيه الولايات المتحدة وإسرائيل، معلناً – بكل ثقة لا تخلو من الطرافة – أن بلاده ستساند “أشقاءها في إيران” بالسلاح والصواريخ. تصريح جعل كثيرين يتساءلون هل نحن أمام بيان عسكري أم أمام مشهد جديد من مسرح العبث السياسي…؟ فالصورة بدت وكأن فأراً يلوّح بمخالبه مهدداً أسداً، أو كمن يرفع صوته في الساحة بينما بيته يعج بالأزمات. بلد يرزح تحت أعباء اقتصادية واجتماعية ثقيلة، ويعاني من جراح تاريخية لم تندمل منذ سنوات العنف الدامية، لكنه فجأة يقرر فتح جبهة خطابية مع أقوى القوى في العالم، وكأن المنطقة كانت تنتظر فقط هذا “الإنذار الاستراتيجي” القادم من قصر المرادية. والحقيقة أن مثل هذه التصريحات لا تعدو أن تكون فرقعة إعلامية موجهة للاستهلاك الداخلي، محاولة لتصدير الأزمات إلى الخارج وخلق عدو وهمي يلهي الرأي العام. لكن المشكلة أن السياسة ليست مسرحاً للخطابات الرنانة، ولا ميداناً للمزايدات اللفظية، لأن العالم يعرف جيداً الفرق بين قوة حقيقية تُبنى بالفعل وبين بطولة كلامية تُصنع خلف المايكروفونات
“عندما تتوارث العقارب الحكم تتوارث الشعوب الألم و الجراح“
في عالم الأنظمة الشمولية لا تنتقل السلطة فقط من يد إلى يد، بل تنتقل معها أيضاً ثقافة القمع وذاكرة الدم. تاريخ طويل من المآسي يربط بين طغاة جعلوا من شعوبهم وقوداً لبقائهم في الحكم، وكأن الدم أصبح العملة الوحيدة المتداولة في أسواق الاستبداد. من العشرية السوداء في الجزائر التي التهمت ما يقارب 259 ألف روح من رجال ونساء وأطفال، إلى مجازر ساحة رابعة في القاهرة التي تحولت إلى رمز دامٍ في ذاكرة المنطقة، مروراً بالمآسي التي عاشتها شعوب سوريا والعراق تحت وطأة الميليشيات الطائفية التي تحركها أوامر المقبور بشار و المرشد علي خامنئي تتكرر الحكاية نفسها أنظمة تتغذى على الخوف، وتعيش على حساب الدماء. واليوم، يعاد إنتاج المشهد ذاته بوجه جديد من السلالة نفسها.
وكما يقول المثل الشعبي “العقرب لا يولد إلا العقارب”. فحين تتوارث السلطة داخل منظومات مغلقة، يتوارث معها نهج البطش، ويصبح الحاكم الجديد مجرد امتداد لظلّ أبيه، يسير على خطى مضرجة بآهات الضحايا. غير أن التاريخ علمنا أيضاً حقيقة أخرى أن الشعوب قد تُقهر زمناً، لكنها لا تُمحى من معادلة المستقبل. والشعب الإيراني، الذي أنهكته سنوات القمع والعزلة، يملك وحده الحق في أن يستعيد زمام مصيره، وأن يكتب صفحة جديدة بعيداً عن سلالة الاستبداد، صفحة تُبنى فيها دولة تُصان فيها كرامة الإنسان وتُفتح فيها أبواب الأمل للأجيال القادمة. فالتاريخ لا يرحم الطغاة لكنه دائماً ينحني في النهاية أمام إرادة الشعوب.









