إلى مزبلة التاريخ

هناوي الهادي28 فبراير 2026Last Update :
إلى مزبلة التاريخ

تذكّروا جيّدًا…
تذكّروا جيّدًا ما قيل، لأن السياسة لا ترحم الذاكرة القصيرة.

افتتاحية العشر الأوائل من رمضان قلم هناوي مدير وكالة ترونس بريس و رئيس تحرير الموقع 

ما يحدث اليوم ليس معزولاً عن سياق ممتد من الإشارات التي كانت واضحة لمن أراد أن يقرأ المشهد بعيون مفتوحة ارتباك في التحركات الخارجية، تضييق في هامش المناورة، وضغط دولي يتصاعد في ملفات حساسة. من إنهاء مهمة رمطان لعمامرة بقرار من أنطونيو غوتيريش في السودان تحت وطأة الجدل حول الحياد، إلى تصاعد النقاش داخل أروقة واشنطن العاصمة بشأن مستقبل نزاع الصحراء، مرورًا بالمأزق الذي تواجهه جبهة البوليساريو في ظل تحولات الموقف الدولي… كلها مؤشرات على مرحلة إعادة ترتيب قسرية للأوراق. التحذير لم يكن شماتة، بل قراءة لمسار يتشكل أمام أعين الجميع. من يتجاهل التحولات الدولية، ومن يراهن على خطاب قديم في عالم يتغير بسرعة، يجد نفسه أمام حقائق لا تنفع معها البلاغة ولا الشعارات. لهذا، تذكّروا جيدًا ما قيل على لسان هناوي كصحفي مغربي القادم تصنعه موازين القوى لا الأمنيات، ومن لا يتهيأ لتحولات المرحلة قد يكتشف متأخرًا أن زمن المناورة قد انتهى.

على إيقاع العزلة الجزائر بين انتكاسة الخرطوم وضغط واشنطن
في السياسة، لا تُقاس الهزائم فقط بما يُعلن رسمياً، بل بما يُقرأ بين السطور. وما يجري اليوم حول الدبلوماسية الجزائرية يكشف، بوضوح لا لبس فيه، عن مرحلة ارتباك غير مسبوقة، عنوانها الأبرز تآكل النفوذ وتضييق هامش المناورة. الخرطوم… مهمة تنتهي تحت وطأة الشبهات قرار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إنهاء مهمة المبعوث الجزائري رمطان لعمامرة إلى السودان لم يأتِ في فراغ. فمذكرة موقعة من أكثر من مائة شخصية سودانية من سياسيين وحقوقيين وإعلاميين وضعت الرجل في قلب عاصفة اتهامات بالانحياز لطرف عسكري على حساب القوى المدنية. حين يُتهم وسيط أممي بفقدان الحياد، فإن الخطر لا يطال شخصه فقط، بل يهدد مصداقية المنظمة نفسها. وهنا بدا أن بقاءه في المهمة صار عبئاً سياسياً وأخلاقياً، ما عجّل بتعيين مبعوث جديد. في المحصلة، لم يكن الأمر مجرد تغيير إداري، بل رسالة دبلوماسية قاسية لبلد كان يسعى إلى تثبيت حضوره في أحد أكثر الملفات تعقيداً في إفريقيا. واشنطن صيف حاسم في ملف الصحراء بالتوازي، تتجه الأنظار إلى العاصمة الأمريكية واشنطن العاصمة، حيث تتكثف الاتصالات حول ملف الصحراء المغربية. تسريبات متقاطعة تتحدث عن ضغط أمريكي متصاعد يضع الأطراف أمام خيارات واضحة لا تقبل كثيراً من التأويل إما التعاطي مع مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، أو مواجهة تداعيات سياسية وقانونية قد تصل إلى تصنيف جبهة جبهة البوليساريو كتنظيم إرهابي.
المعطيات المتداولة توحي بأن هامش المناورة يضيق، وأن لغة الحسم بدأت تتقدم على حساب لغة التأجيل. في الكواليس، يكثر الحديث عن مراجعات داخلية في الجزائر، وعن بحث عن صيغة تخفف الكلفة السياسية دون الظهور بمظهر المنسحب المهزوم. لكن معادلة القوة تبدو اليوم مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات.
خطاب متوتر… وإعلام يفقد البوصلة أما على مستوى الخطاب الإعلامي، فالمتابع يلحظ انزلاقاً متكرراً نحو لهجة هجومية تجاه المغرب ومؤسساته، حتى في مناسبات يفترض أنها جامعة وهادئة. مثل هذا الأسلوب لا يعكس قوة موقف بقدر ما يكشف عن توتر سياسي داخلي، حيث يُستعمل الخارج أحياناً لتصدير الأزمات.
المفارقة أن قطاعات من الرأي العام الجزائري نفسه باتت تتساءل عن جدوى هذا النهج، في ظل أولويات اجتماعية واقتصادية أكثر إلحاحاً. بين الواقع والإنكار الصورة العامة ترسم ملامح مرحلة دقيقة انتكاسة في ملف سوداني كان يُراد له أن يعزز الحضور الإقليمي، وضغط متزايد في ملف الصحراء، وخطاب إعلامي يعكس احتقاناً أكثر مما يعكس ثقة.
قد تحاول الجزائر كسب الوقت، أو إعادة ترتيب أوراقها، لكن المؤكد أن البيئة الدولية لم تعد تسمح بسياسة المراوحة نفسها. المستقبل يُطبخ في عواصم القرار الكبرى، ومن لا يقرأ التحولات جيداً قد يجد نفسه خارج المعادلة. وفي خضم كل ذلك، يظل ملف الصحراء في صلب معادلة إقليمية تتجه أكثر من أي وقت مضى نحو الحسم، لا نحو إدارة الأزمة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News