«اتفاق القرن»… حين تتحدث الدبلوماسية بلغة المصالح، يصاب خصوم المغرب بحساسية مزمنة من كلمة نجاح

هناوي الهادي18 سبتمبر 2026Last Update :
«اتفاق القرن»… حين تتحدث الدبلوماسية بلغة المصالح، يصاب خصوم المغرب بحساسية مزمنة من كلمة نجاح

ليس كل اتفاق دبلوماسي مجرد صورة تذكارية أمام عدسات الكاميرات، ولا كل تقارب بين الدول صفقة عابرة تنتهي بانتهاء مراسم التوقيع.

هناك اتفاقات تعيد ترتيب المصالح، وتفتح أبواباً جديدة أمام الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والدبلوماسية، واتفاق المغرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل في إطار دينامية اتفاقات أبراهام ينتمي إلى هذا النوع من التحولات التي تستحق القراءة بعين الدولة، لا بعين الشعارات، ففي ديسمبر 2020 دخل المغرب وإسرائيل مرحلة جديدة من العلاقات الرسمية، برعاية أمريكية، وفي السياق نفسه أعلنت واشنطن اعترافها بسيادة المملكة المغربية على الصحراء ودعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي. كما نص الإعلان الثلاثي على تطوير التعاون في مجالات متعددة، بينها الرحلات المباشرة والتجارة والاستثمار والتعاون الأمني. وهنا تحديداً تبدأ المشكلة بالنسبة إلى بعض خصوم المغرب لأنهم يريدون للدبلوماسية أن تكون مسابقة في رفع الشعارات، بينما الدول تُقاس سياستها الخارجية بما تحققه من مصالح ملموسة. أما المملكة المغربية، فقد اختارت أن تتحرك بمنطق الدولة التي تعرف أن العلاقات الدولية لا تُدار بالمواعظ، وإنما بتقاطع المصالح، وتعدد الشراكات، وحسن إدارة الأوراق الاستراتيجية. ولذلك فإن من حق المغاربة أن يناقشوا الاتفاق، وأن يختلفوا حول بعض جوانبه، لكن ليس من حق أحد أن يلغي الوقائع أو يتعامل مع السياسة الخارجية بمنطق «إما أن توافقني أو أنت ضد الوطن».
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الذين أمضوا سنوات يراهنون على عزل المغرب، وجدوا أنفسهم أمام شبكة علاقات دولية أكثر اتساعاً، شراكة تاريخية مع الولايات المتحدة، علاقات متنامية مع إسرائيل، وحضور عربي متقدم، وفي مقدمة ذلك الصداقة المغربية الإماراتية التي تحولت إلى رصيد سياسي واقتصادي واستراتيجي يحظى بمكانة خاصة.
إن العلاقة بين الرباط وأبوظبي ليست مجرد مجاملات دبلوماسية أو صور بروتوكولية، بل هي تعبير عن تقارب عربي يقوم على الاحترام المتبادل وتنسيق المصالح والرؤية المشتركة تجاه قضايا المنطقة. ومن حق المغاربة أن ينظروا إلى هذه الصداقة باعتزاز، وأن يثمّنوا كل علاقة عربية تقوم على الصراحة والاحترام ودعم المصالح المتبادلة، بعيداً عن مزادات المزايدة التي لا تنتج لا اقتصاداً ولا نفوذاً ولا تنمية.
ولعل أكثر ما يزعج خصوم المملكة هو أن المغرب لم يعد مضطراً إلى الاختيار بين شريك وشريك، فهو قادر على بناء شبكة متعددة من العلاقات مع واشنطن وأوروبا والعالم العربي وإفريقيا، وفي الوقت نفسه الحفاظ على ثوابته الوطنية ومواقفه المعلنة بشأن القضية الفلسطينية والقدس. وقد أكدت الوثيقة الثلاثية لعام 2020 استمرار الموقف المغربي من القضية الفلسطينية، مع تأكيد مكانة القدس بالنسبة للمملكة ورئاسة الملك للجنة القدس.
أما الذين ما زالوا يعيشون على أوهام «المغرب المعزول»، فربما يحتاجون إلى تحديث قاموسهم السياسي، فالعالم لم يعد ينتظر بياناتهم كي يقرر مع من يتعامل.
الدبلوماسية المغربية ببساطة تقول: يمكن أن تختلف، ويمكن أن تناقش، ويمكن أن تنتقد، لكن عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الوطنية فإن لغة المصالح هي التي تبقى في نهاية المطاف، أما الضجيج السياسي فيذهب مع الريح. وهكذا، فإن «اتفاق القرن» لا ينبغي أن يُقرأ بمنظار الانفعال، وإنما بمنظار ما فتحه من قنوات وما أنتجه من اعترافات وما يمكن أن ينتجه من تعاون اقتصادي وأمني وتكنولوجي. وهذه هي وظيفة الصحافة المهنية، أن تفكك الاتفاقات، وتضع مكاسبها وحدودها أمام القارئ، لا أن تحول السياسة الخارجية إلى حفلة صراخ. أما المغرب والإمارات، فلهما حكاية أخرى، حكاية صداقة عربية تستحق أن تُقرأ بلغة الاعتزاز، لأن العلاقات بين الدول لا تُقاس بعدد البيانات، وإنما بمدى قدرتها على تحويل الاحترام المتبادل إلى تعاون ومصالح مشتركة. وفي النهاية، يبدو أن أكثر ما يؤلم بعض خصوم المملكة ليس الاتفاق نفسه، بل أن المغرب يعرف كيف يحول موقعه الجغرافي والتاريخي والسياسي إلى شبكة من العلاقات والمصالح بينما لا يزال البعض يحاول إدارة القرن الحادي والعشرين بعقلية القرن الماضي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News