الشكارة ياسادة لم تعد تصنع نائباً وبنسليمان ليست سوقاً لبيع الضمائر


أما اليوم، فقد انقلبت بعض المعادلات رأساً على عقب فأصبح المرشح، في بعض الحالات، مطالباً ليس فقط بدفع ثمن التزكية، بل أنه مطالب بأن يتحول إلى صاحب عقار وممول لمقر الحزب يبحث عن المحل، يجهزه، ويتكفل بواجبات كرائه. والأكثر إثارة للسخرية أن بعض المرشحين الميسورين من أصحاب «الشكارة» عندما يتعلق الأمر بالحزب ومقره، تراهم جاهزين وأسخياء إلى درجة استحضار حاتم الطائي، فيدفعوا الملايين في كراء المقرات وتجهيزها احسن تجهيز، بينما يتحول هذا الكرم الأسطوري فجأة إلى بخل وشح شديد عندما يصل الأمر إلى أصحاب المهن الإعلامية والمواقع المحلية الذين يواكبون الحملات الانتخابية ويقدمون خدمات مهنية. هناك من يستطيع أن يفتح رصيده المالي للحزب بلا حساب، ثم يغلق الهاتف والجيب بإحكام أمام الصحفي أو المراسل، وكأن تغطية نشاط انتخابي لا تحتاج إلى وقت ولا إلى جهد ولا إلى مهنية. والأغرب من ذلك كله أن بعض العقليات لا تزال تتعامل مع الصحفي أو المراسل بمنطق « دور معاه أعطه شيئاً وانتهى الأمر»، فيُسلم المراسل أحياناً مبلغ زهيد لا يتجاوز دراهم معدودة، وكأن المراسل يطلب الصدقة ويستجدي “معاونة” على باب المرشح، كأني بالمراسل او الصحفي لم يؤدي عملاً إعلامياً له قيمته المهنية. والخطير أن هناك من يعتقد أن مجرد مطالبة الصحفي بمستحقاته وأتعابه” طلبة” أو إساءة أو طمع وايتزاز، بينما لا يرى أي هاوي سياسي حرجاً في إنفاق الملايين على المقرات والتجهيزات والدعاية الانتخابية. المفارقة هنا ليست في قيمة المبلغ وحده، وإنما في العقلية التي تقيس كل شيء بمنطق الربح السياسي، المقر يستحق الملايين لأنه يخدم المرشح و الحزب، أما الصحفي فلا يستحق إلا الفتات لأنه، في نظر بعض هؤلاء، مجرد شخص يمكن الاستغناء عنه. والحقيقة أن الصحافة ليست صدقة، والمراسل ليس متسولاً، والعمل الإعلامي ليس خدمة مجانية تؤدى تحت الطلب. من يريد إعلاماً مهنياً يحترم نفسه، عليه أولاً أن يتعلم احترام من يمارس هذه المهنة.
يبدو أن بعض أصحاب الشكارة يعيشون في وهمٍ انتخابي مفاده أن المال قادر على غسل الذاكرة، وأن المواطن ينسى بمجرد أن تبدأ مكبرات الصوت في الصراخ وترفع صور المرشحين من جديد.