
ما جرى بالأمس البريد وما يجري اليوم ليس خلافاً عابراً، ولا مجرد تغييرات عادية في المناصب. ما يجري هو كما يرى الرأي العام والمتابعون ـ نهجٌ حكومي يقوم على إسكات الأصوات المستقلة وإقصاء كل مسؤول يجرؤ على قول الحقيقة بشكل لا ينسجم مع مصالح النافذين و المتنفذين داخل الحكومة. أشير أن الدولة ليست طرفاً في هذا المشهد، لأن الدولة هي المؤسسات الدستورية ” كل الادارات العمومية ” الراسخة التي تشتغل سواء كانت الحكومة او لم تكن، وهي في النهاية في شخص جلالة الملك نصره الله الذي لا يتحمّل أبداً أخطاء الوزراء ونفاق الأحزاب و خطايا وتجاوزات وخروقات بعض المنتخبين، بل يُقَوِّمهم عند الضرورة. المشكل اليوم ليس في الدولة المشكل في الحكومة ومنطق اشتغالها وتألق بعض أعضاءها في التٱمر و الانتقام من شخصيات بينهم جلالة الملك، مثلا البشير الراشدي أول من دفع الثمن بسبب تصريح واحد عن كلفة الفساد التي قيمها ب (50 مليار درهم) هذا الادلاء كان كافياً ليدفع الرجل ثمن جرأته، وعليه الحكومة جمدت الآلية الوطنية لمحاربة الفساد، ثم أزاحت رئيسها الذي قال كلمة حق، هذه ليست إصلاحات وإنما تصفية سياسية. وبعده رضى الشامي تقرير NEET الذي أزعج رئيس الحكومة، بدل التعامل بجدية مع أزمة شباب لا يدرسون ولا يعملون، اختار اخنوش والموالين له في الحكومة الطريق الأسهل وهو إبعاد من كشف الواقع، إدريس الكراوي صرحت أن لوبي المحروقات أقوى من الحكومة وقرر عشر مليارات درهم غرامات على شركات المحروقات.
بعدها مباشرة تمت إزاحة الرجل، وليس معالجة الاختلالات وكأن الحكومة تقول “لا تقتربوا من الملفات التي تُحرجنا.” ادريس جطو والحليمي و بنهيمة ورضى الشامي، كل اسم له وزن وجرأة ناس اصدروا تقرير قوية سببت في ارتباك الحكومة وصُدموا بنفس الأسلوب، إقصاء سريع.
المواطنون أصبحوا يسألون بوضوح، هل تحارب الحكومة الفساد..؟ أم تحارب من يتحدث عنه..؟ زد على هذا التوتر مع الفاضل عبد الوافي لفتيت، فصل آخر من صراع حكومي داخلي، الخلافات مع وزير الداخلية ليست سرّاً. عدة محاولات جربت لإبعاده و الالتفاف عليه لكنها باءت بالفشل، لأن وزارة الداخلية كبيرة ومؤسساتها أكبر من رغبات بعض الوزراء الذين جاءت لهم صناديق الاقتراع كمنتخبين والاقتراح كمقربين. الرأي العام يفهم جيداً أن المشكل ليس في الوزارة، بل في رئاسة الحكومة نفسها. الخلاصة كما يراها المواطنون هي أن المشاكلة ليست في النظام، ولا في الدولة، المشكلة في حكومة تُدير الاختلاف بالإقصاء، وتواجه التقارير بالإعفاء، وتتعامل مع النقد كتهديد وليس كأداة تصحيح، حكومة تُبعد الأقوياء وتُحيط نفسها بالصامتين، و تُفَضِّل الولاء على الكفاءة، و تُقابل الحقائق بالغضب والانتقادات بالانتقام السياسي ، هكذا تعزز لدى المغاربة اقتناع بأن من يقول الحقيقة داخل هذه الحكومة يخرج منها. لأنها تُقصي وتُغلق باب الحقيقة ولم يعد المتابع بحاجة لعدسة مكبّرة ليفهم ما يجري داخل الحكومة. فخيوط الصورة واضحة، كل مسؤول يجرؤ على كشف خلل، يخرج من الباب الخلفي وكل تقرير يزعج المصالح، يُقابَل بالإعفاء بدل الإصلاح. هذه ليست قراءة صحفية متحاملة، بل انطباع عام تشكّل من خلال سلسلة من الأحداث المتشابهة في الشكل والمضمون، حتى كادت تتحول إلى قاعدة غير مكتوبة في طريقة اشتغال الحكومة الحالية، “إن قلت الحقيقة… تنتهي مهامك.” كالبشير الراشدي الذي أدى ثمن كلمة “الفساد” رجل قال إن الفساد يكلف المغرب 50 مليار درهم سنوياً، صُدم الرأي العام حين رأى أن الرد الحكومي لم يكن مواجهة الفساد بل مواجهة من تجرأ على كشفه. جُمِّدت الآلية الوطنية لمحاربة الفساد، ثم خرج الرجل بصمت ثقيل. ورضى الشامي تقرير واحد هدم جدار الرضا الحكومي وهو تقرير NEET لم يكن رأياً سياسياً، بل رقماً صارخاً عن شباب مُعطّل لا يدرس ولا يشتغل. الحكومة اختارت أسهل الحلول وهو إزاحة من وضع المرآة أمامها. أيضا إدريس الكراوي بسبب دعيرة عشرة مليارات ثم إقصاءه لانه اقرب غرامات ضخمة على لوبي المحروقات. الحكومة بدل أن تستغل لحظة تاريخية لاستعادة الثقة، فجّرت مفاجأة بإنهاء مسار الرجل. هكذا يُدار ملف استراتيجي في قطاع يهم كل مواطن، ادريس جطو و الحليمي وبنهيمة، حين يصبح كشف الحقيقة تهمة وتتابعت الإعفاءات بشكل جعل الرأي العام يستنتج أن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في منهج حكومي ينزعج من التقارير أكثر مما ينزعج من الاختلالات نفسها. التوتر السياسي واضح بين رئيس الحكومة ووزير الداخلية، يفهم منه المتابعون أن الحكومة تريد فضاء بلا أصوات قوية أو منافسين داخل أجهزتها نفسها، فاليوم صورة الحكومة في نظر جزء واسع من المغاربة هي أنها لا تتحمل النقد، لا تقبل بالاستقلالية، ولا تسمح بصوت أعلى من صوتها رئيس الحكومة يريد مسؤولين “مطيعين ومطواعين” لا مسؤولين أصحاب رأي. الرجل يريد تقارير “مريحة” لا تقارير تكشف الواقع والخروقات. يريد صدى يردد ما تقوله حكومته لا صوتاً يعري ما تخفيه. ولذلك أصبحت الرسالة واضحة لكل كفاءة داخل المؤسسات، “تحدث أقل لتبقَى أكثر.” أما المواطن، فلم يعد يسأل لماذا اعفي فلان وغادر علان ولماذا الحالة من عينهم صاحب الجلالة، أصبح المواطن اليوم يسأل، من الضحية القادمة..؟










