وزير العدل يلعب بالمطرقة ورئيس الحكومة يتفرّج

هناوي الهادي31 ديسمبر 2025Last Update :
وزير العدل يلعب بالمطرقة ورئيس الحكومة يتفرّج

حين تتحول العدالة إلى عرض فردي في سابقة لم تشهدها وزارة العدل منذ أن عرفت المملكة المغربية معنى المؤسسات، قرر وزير العدل أن يخوض حربًا شاملة ضد الجميع وحده. محامٍ بالأمس، وخصمٌ للمحامين اليوم، يرفع شعار “الإصلاح” بيد، ويهوي به على رؤوس مكونات العدالة باليد الأخرى، وكأن المنظومة القضائية حلبة تدريب على العنتريات الشخصية لا فضاءً للتوازن الدستوري الخلاف حول مشروع قانون مهنة المحاماة لم يعد نقاشًا تشريعيًا، بل تحوّل إلى استعراض للقوة، حيث يُدبَّر النص في الغرف المغلقة، ويُقدَّم للرأي العام باعتباره قدرًا لا يُردّ. جمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي صبرت طويلًا على لغة الوعود المؤجلة والحوار الصوري، وجدت نفسها مضطرة للانتقال من ضبط النفس إلى صافرة الإنذار القصوى.
الاجتماع الاستثنائي المرتقب يوم 10 يناير بمراكش ليس مجرد محطة تنظيمية، بل أشبه بمحاكمة رمزية لمسار حكومي اختار أن يدير واحدة من أخطر المهن الدستورية بعقلية “الأمر الواقع”. فالنص المعروض، كما تقول الجمعية، لا يعكس حوارًا ولا يترجم توافقًا، بل يُشبه عقد إذعان يُطلب من المحامين توقيعه دون قراءة. الوزير، الذي يُفترض فيه أن يكون حارس استقلال العدالة، بدا  في نظر كل المهنيين كمن قرر تصفية حسابات قديمة مع المهنة التي أنجبته. لم ينجُ من حماسه الانتقامي لا القضاة، ولا العدول، ولا كتاب الضبط، ولا المجتمع المدني، ولا الصحافة. الجميع في مرمى “إصلاح” لا يسمع إلا صوته، ولا يعترف إلا بمرآته.
غير أن السؤال الأكبر لا يتوقف عند الوزير وحده، بل يقفز مباشرة إلى مكتب رئيس الحكومة أين تقف هذه الحكومة مما يجري..؟
هل نحن أمام وزير يشرّع ويقرّر ويصادم وحده، أم أمام حكومة فوّضت له تحويل قطاع العدالة إلى مقاولة شخصية تُدار بمنطق الربح والخسارة والولاء والخصومة…؟
الصمت الحكومي هنا ليس حيادًا، بل موقف سياسي كامل الأركان. فحين يترك رئيس الحكومة وزيره يشعل الحرائق داخل منظومة العدالة، ويواجه المهن الدستورية بلغة الفرض، فإن المسؤولية لا تعود تقنية ولا فردية، بل تصبح مسؤولية سياسية مباشرة لرئاسة الحكومة التي يفترض فيها التحكيم لا الفرجة.

مراسلة جمعية هيئات المحامين لوزارة العدل لتذكيرها بمسار الحوار والتزامات الدولة، تبدو اليوم كأنها رسالة من مؤسسة دستورية إلى سلطة قررت أن تنسى ذاكرتها. أما إبقاء المكتب في حالة انعقاد دائم، فليس إلا إعلانًا بأن زمن البيانات اللطيفة انتهى، وأن المواجهة باتت خيارًا اضطراريًا لا ترفًا نقابيًا.
نحن أمام لحظة فارقة إما عدالة تُدار بالحوار واحترام الأدوار، أو عدالة تُختزل في مزاج وزير، وتُبارَك بصمت رئيس حكومة وفي الحالتين الفاتورة سيدفعها مرفق العدالة وثقة المواطنين.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News