يبدو أن رئاسة المجلس الوطني للصحافة تحولت إلى حلم جماعي، حتى أصبح المرء يتساءل، هل نحن أمام انتخابات لاختيار من يقود مؤسسة مهنية حساسة، أم أمام مسابقة مفتوحة لمن يريد أن يضع اسمه على باب المجلس. ؟
في خضم هذا “الزحام” ، يبرز اسم يونس مجاهد، الصحفي والكاتب والمناضل الذي راكم عقوداً من التجربة في مهنة لا تعترف في النهاية إلا بمن عاش تفاصيلها، وكتب فيها، ودافع عنها، واعتقل ودفع ثمن مواقفه فيها. ولعل ما يزيد من قيمة تجربة يونس مجاهد أن مساره المهني والنضالي لم يكن مفروشاً بالورود، فقد تعرض للاعتقال على خلفية مواقفه وآرائه كما أسلفت ٱعلاه، اعتقل في مرحلة كان فيها التعبير عن الرأي والدفاع عن القناعات السياسية والمهنية يمكن أن تكون له كلفة شخصية كبيرة. ولذلك فإن الحديث عن يونس مجاهد لا ينبغي أن يختزل في منصب أو ولاية داخل المجلس الوطني للصحافة، بل في مسار رجل دفع ثمناً من حريته بسبب ما كان يؤمن به، وظل متمسكاً بمهنة الصحافة وبحق الصحفي في التعبير والاختلاف. وهذا جزء من الذاكرة المهنية والسياسية التي تجعل تجربته مختلفة عن كثير ممن يطرقون اليوم أبواب المسؤولية دون أن تكون لهم، بالضرورة، التجربة نفسها أو التراكم نفسه قد تختلف “كمشة ديال بنادم” مع مجاهد وقد ينتقد بعض الخصوم مواقفه واختياراته، وهذا طبيعي في مهنة تقوم أساساً على الاختلاف وحرية الرأي. لكن تحويل الرجل إلى هدف لتصفية حسابات بين تيارات واتجاهات مختلفة، لا يمكن أن يمحو حقيقة أساسية، هي أن يونس مجاهد ابن المهنة، وليس صاحب قناة تافهة يبحث عن البوز و ” l’AdSense” أو وافداً على المهنة يبحث اليوم عن بطاقة مهنية أو تعريف مهنية. السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه بصراحة هو ماذا ومن سيأتي بعد يونس مجاهد..؟ هل سيأتي صحفي حقيقي يمتلك رصيد سياسي وتجربة الرجل ومعرفته بتاريخ المهنة وأزماتها..؟ أم سيأتي شخص نكرة يرى في المجلس مجرد منصة للظهور و الوجاهة..؟ وهل كل من يحمل صفة صحفي بين ضفرين قادر بالضرورة على قيادة مؤسسة وطنية مسؤولة عن تنظيم المهنة والدفاع عن أخلاقياتها..؟
هنا تبدأ الكوميديا السوداء.
فإذا كان مليون شخص يحلمون برئاسة المجلس الوطني للصحافة، فإن عدد من يملكون فعلاً المؤهلات والتجربة والاستقلالية والرصيد المهني والكفاءة أقل بكثير ولا يتعدى عددهم عدد أصابع اليد الواحدة من عدد المتنافسين على الكرسي.
والأكثر إثارة للدهشة أن بعض الطامحين يتصرفون وكأن رئاسة المجلس منصب بروتوكولي صورة، تصريح، اجتماع، وكرسي في الصف الأول.! لكن الصحافة ليست كذلك.
المجلس الوطني للصحافة ليس نادياً اجتماعياً، ولا جمعية لتبادل المجاملات، ولا سلماً للصعود إلى الواجهة. إنه مؤسسة يفترض أن يقودها من يعرف معنى أن تكون صحفياً، ويعرف الفرق بين الصحافة والمهنة من جهة، وبين الهواية والارتزاق والرغبة في الظهور من جهة أخرى. ولذلك فإن السؤال ليس، من يريد أن يصبح رئيساً..؟ السؤال الحقيقي هو من يستحق أن يكون رئيساً..؟
والفرق بين السؤالين كبير جداً.
نقل هذا الفيديو بتحفظ عن الزميلة هبة بريس


في خضم هذا “







