ليست كل عودة سياسية هزيمة، وليست كل مغادرة خيانة للمبادئ، كما أن الانتماء الحزبي لا ينبغي أن يتحول إلى قيد أبدي يمنع السياسي من مراجعة اختياراته والعودة إلى الجذور التي تشكل منها وعيه السياسي.هناوي قلم تحرير ترونس بريس ومن هذا المنظور، تستحق عودة البرلماني محمادي توحتوح إلى حزب الاستقلال قراءة مختلفة، بعيداً عن الحسابات الانتخابية الضيقة، وبعيداً عن منطق تصفية الحسابات بين الأحزاب. فتوحتوح، قبل أن يكون اسماً في المشهد البرلماني، هو ابن مدرسة سياسية عريقة؛ مدرسة حزب الاستقلال التي تربى في رحابها وتشبع بمبادئها وقيمها، قبل أن يخوض تجربة سياسية في حزب آخر. واليوم، حين يعود إلى الحزب الذي شكل بداياته السياسية، فإن الأمر يمكن قراءته باعتباره عودة إلى المدرسة الأم وإلى الجذور الأولى. والسياسي الذي عاش تجربة حزبية وانتقل إلى تجربة أخرى ثم اختار العودة إلى بيته السياسي الأول، لا ينبغي أن يُحاكم لمجرد أنه غير موقعه الحزبي، وإنما ينبغي أن يُسأل عن حصيلة تجربته، وعن مواقفه، وعن حضوره في خدمة المواطنين والوطن. وتبرز أهمية تجربة توحتوح كذلك في حضوره البرلماني، إذ لم يظل نشاطه محصوراً داخل قبة البرلمان أو في دائرة انتخابية بعينها، بل شارك ضمن وفود برلمانية مغربية في عدد من المهام خارج أرض الوطن.
وهو ما يندرج ضمن الدبلوماسية البرلمانية التي أصبحت مكوناً مهماً من مكونات الحضور المغربي في المحافل الدولية. فتمثيل المغرب في الخارج ليس نزهة ولا رحلة سياحية، وإنما مسؤولية تقتضي معرفة بالقضايا الوطنية، وقدرة على التواصل والدفاع عن المصالح العليا للمملكة، خصوصاً في الملفات التي تحظى باهتمام الدبلوماسية المغربية.
ومن هنا، فإن الحديث عن محمادي توحتوح ينبغي ألا يختزل في انتقال حزبي أو عودة انتخابية، بل يستحق أن يُقرأ من زاوية مسار رجل مارس السياسة من داخل المؤسسات، وخبر العمل البرلماني، واحتك بملفات وطنية ودولية، وشارك في عدد من الوفود البرلمانية المغربية بالخارج. ولعل أجمل ما في التجربة السياسية أن الإنسان يستطيع أن يراجع مساره دون أن يتنكر لماضيه. فالأحزاب تتغير مواقعها، والسياسيون يخوضون تجارب مختلفة، لكن الجذور تظل جذوراً. وإذا كان حزب الاستقلال يمثل بالنسبة إلى توحتوح المدرسة الأولى التي تلقى فيها أبجديات العمل السياسي، فإن عودته إليها يمكن أن تكون مناسبة لاستحضار قيمة الوفاء للجذور، وإعادة الاعتبار لسياسة تقوم على التراكم والتجربة، لا على القفز من حزب إلى آخر بحثاً عن موقع أو تزكية. محمادي توحتوح يعود إلى البيت الأول ليس باعتباره سياسياً عاد من رحلة، وإنما باعتباره ابن مدرسة سياسية وجد نفسه فيها، بعد تجربة أخرى، يعود إلى حيث بدأت الحكاية. وتلك، في نهاية المطاف، ليست عودة إلى حزب فحسب، وإنما عودة إلى الذاكرة السياسية وإلى مدرسة الاستقلال التي أنجبت أجيالاً من السياسيين والبرلمانيين والدبلوماسيين الذين تركوا بصمتهم داخل المغرب وخارجه.