الباكالوريا في المغرب، حين تُختزل أزمة التعليم في ثلاثة أيام من الامتحان كل سنة.

مع انطلاق امتحانات الباكالوريا، تدخل وزارة التربية الوطنية في حالة استنفار قصوى. اجتماعات، لجان، بلاغات، حملات تواصلية، وتعبئة غير مسبوقة للموارد البشرية واللوجستيكية، وكأن الأمر يتعلق بإطلاق مركبة فضائية نحو المريخ وليس بتنظيم امتحان يفترض أن يكون الحلقة الأخيرة في مسلسل تعليمي طويل.
غير أن سؤال ترونس بريس الذي يفرض نفسه بإلحاح هو، هل تكمن أزمة التعليم المغربي في كيفية تنظيم امتحانات الباكالوريا أم في المنظومة التي أوصلت التلميذ أصلاً إلى قاعة الامتحان..؟
لقد تحولت الباكالوريا في المغرب إلى مناسبة سنوية لتلميع صورة قطاع فاشل يعيش منذ عقود على وقع الأعطاب البنيوية. فبينما تنفق الدولة الملايير على الإصلاحات المتتالية دون جدوى، تستمر المؤشرات في كشف حجم الاختلالات التي تنخر المدرسة العمومية، بدءاً من ضعف التعلم الأساسي، مروراً بالاكتظاظ والهدر المدرسي، وصولاً إلى التفاوت الصارخ بين المؤسسات التعليمية وبين الجهات والأقاليم.
وإذا كان التلاميذ مطالبين باجتياز امتحان وطني موحد، فإن المسؤولين عن تدبير القطاع يبدو أنهم معفيون من أي امتحان للمحاسبة أو تقييم الحصيلة. فالمشهد التعليمي أصبح يعج بمسؤولين جرى تعيين بعضهم بمنطق الولاءات والعلاقات أكثر مما جرى اختيارهم بناء على الكفاءة والخبرة التربوية. مديريات وأكاديميات تتكرر فيها نفس الأسماء ونفس الوجوه، بينما تتراجع المؤشرات وتتعاظم الشكاوى. الأكثر إثارة للسخرية أن قطاعاً بحجم وأهمية التربية الوطنية أصبح في فترات عديدة مجالاً لتجارب مسؤولين لم يتدرجوا داخل المنظومة التعليمية ولم يختبروا تعقيداتها الميدانية. فالتعليم ليس مصنعاً للإنتاج الصناعي ولا شركة لتسويق المصاصات والحلويات أو تدبير العلامات التجارية، بل هو ورش استراتيجي يرتبط بتكوين الإنسان وصناعة مستقبل الأوطان. غير أن منطق التدبير التقني البارد غالباً ما طغى على الرؤية التربوية المطلوبة، فكانت النتيجة مزيداً من التخبط ومراكمة الإخفاقات.
وعندما نتحدث عن الحكامة داخل القطاع، فإن الحديث يقودنا إلى نماذج أثارت الكثير من الجدل داخل بعض المديريات الإقليمية والأكاديميات الجهوية، حيث ظلت الشبهات تحوم حول طرق التعيين والتدبير، في مشهد يعكس أحياناً هيمنة منطق “باك صاحبي” على حساب مبدأ الاستحقاق والكفاءة. فكيف يمكن لمنظومة تسعى إلى ترسيخ قيم النزاهة وتكافؤ الفرص لدى التلاميذ أن تقنع الرأي العام بمصداقيتها إذا كانت بعض مواقع المسؤولية نفسها محاطة بعلامات استفهام…؟
وفي إقليم بنسليمان مثلا، كما في غيره من أقاليم المملكة، تستعد المديرية الإقليمية لتنظيم امتحانات الباكالوريا بمشاركة آلاف المترشحين والمترشحات. وستنصب الأنظار مجدداً على نسب النجاح والمعدلات المحققة وترتيب المؤسسات التعليمية. لكن الأهم من النتائج الرقمية هو طرح السؤال الحقيقي، ماذا بعد إعلان النتائج..؟ هل تعكس المعدلات المرتفعة فعلاً جودة التعلمات. ؟
و هل أصبح الحصول على شهادة الباكالوريا مؤشراً على امتلاك الكفايات والمعارف الضرورية لمواصلة الدراسة أو الاندماج في سوق الشغل..؟ أم أننا أمام منظومة نجحت في إنتاج الشهادات أكثر مما نجحت في إنتاج المعرفة وفرض الشغل..؟
صحيح أن المنافسة بين الذكور والإناث حول أعلى المعدلات تظل جانباً إيجابياً يعكس إرادة التلاميذ في التفوق، وصحيح أيضاً أن بعض مؤسسات التعليم العمومي ما تزال تنتزع مراتب مشرفة رغم الإكراهات، لكن هذه النجاحات الفردية لا ينبغي أن تحجب الصورة العامة لمنظومة ما زالت تبحث منذ عقود عن طريقها نحو الإصلاح الحقيقي. فالرهان ليس في معرفة من سيحصل على أعلى معدل هذه السنة، ولا في نسبة النجاح التي ستعلنها الوزارة بعد انتهاء الامتحانات، بل في الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً، كيف يمكن لمنظومة تعليمية فاشلة تعاني كل هذه الاختلالات أن تنتج جيلاً قادراً على المنافسة في عالم المعرفة والابتكار..؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي ما زال ينتظر المسؤولين عن التعليم في المغرب، أما الباكالوريا فليست سوى اختبار سنوي للتلاميذ، بينما يبقى اختبار الإصلاح مؤجلاً بالنسبة لمن يدبرون القطاع منذ سنوات طويلة دون أن يقدموا الأجوبة المقنعة.










