بنسليمان المدينة التي يفترض أنها تسير نحو التنظيم العمراني واحترام حق الساكنة في العيش داخل أحياء آمنة وهادئة، تحولت بعض أسطح المنازل بها إلى ما يشبه “محطات بث عشوائية” تزرع القلق وسط المواطنين، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول دور الجهات المسؤولة عن المراقبة والزجر والتدخل الاستباقي.
ما وقع بحي النجمة والقدس لم يعد مجرد خلاف بسيط بين جيران، بل أصبح عنوانا لفوضى حقيقية تتعلق بنصب لاقط هوائي ضخم وتجهيزات مرتبطة بشبكة للهاتف فوق سطح منزل بالطابق الثالث، دون احترام حسب تصريحات وشكايات المتضررين لأبسط قواعد التشاور مع الساكنة المجاورة، ودون تقديم توضيحات مقنعة حول الوضعية القانونية للبناية والتراخيص المفترضة لهذا المشروع الذي ظهر فجأة فوق رؤوس المواطنين كالأمر الواقع.


السكان خرجوا في وقفة احتجاجية واضحة الرسالة “ارفعوا الضرر عنا”.

لكن المؤسف أن الاحتجاجات والاجتماعات ظلت تدور في حلقة مفرغة، رغم الاجتماع الذي عقده باشا المدينة مع عدد من المتضررين، وهو اجتماع كان المواطنون ينتظرون أن يفضي إلى قرارات حازمة، لا إلى مزيد من الانتظار وترك الساكنة تواجه مصيرها وحدها.
الخطير في الموضوع ليس فقط وجود اللاقط الهوائي، بل الطريقة التي تُدار بها مثل هذه الملفات. فحين يشعر المواطن أن أي شخص قادر على تحويل سطح منزله إلى منصة تقنية ضخمة دون حسيب أو رقيب، فإن الثقة في مؤسسات المراقبة تتآكل تدريجيا. والأسوأ حين يتردد داخل الأحياء أن البناية نفسها شُيدت بشكل عشوائي وخارج الضوابط القانونية، لتصبح القضية مركبة، بناء مثير للجدل فوقه تجهيزات أكثر إثارة للجدل، بينما الجهات المسؤولة تكتفي بالاجتماعات والوعود. هنا تطرح المسؤولية السياسية والإدارية نفسها بقوة. فأين هو عامل الاقليم وباشا المدينة ورئيس مجلس مدينة بنسليمان من هذا الاحتقان..؟ أليست البلدية هي الجهة المكلفة بحماية النظام العمراني والسهر على احترام التراخيص..؟ وكيف يُعقل أن تتحول أحياء سكنية إلى فضاءات مفتوحة للتجارب التقنية دون إشراك الساكنة أو طمأنتها أو حتى توضيح قانونية ما يجري. ؟
أما باشا المدينة، فرغم اجتماعه بالمتضررين، فإن الساكنة اليوم لا تريد لقاءات بروتوكولية بقدر ما تريد إجراءات ملموسة على الأرض. المواطن البسيط لا يفهم لغة التقارير الإدارية الطويلة، بل يفهم شيئا واحدا هل ستتم إزالة الضرر أم لا…؟
استراتيجيا، استمرار هذا النوع من الملفات دون حسم سريع يخلق حالة خطيرة من فقدان الثقة داخل المجتمع المحلي، ويحول كل مشروع تقني أو بنية اتصالات مستقبلية إلى مصدر مواجهة واحتقان. لأن غياب الشفافية يفتح الباب أمام الإشاعات والخوف والتأويلات، ويجعل المواطنين يشعرون بأنهم الحلقة الأضعف في معادلة لا تحترم حقهم في المعلومة ولا في بيئة سليمة.
بنسليمان اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من الصمت الإداري، بل إلى قرارات شجاعة تعيد الاعتبار لهيبة القانون. فإذا كانت التجهيزات قانونية فلتُعرض الوثائق أمام الرأي العام المحلي، وإذا كانت مخالفة فواجب السلطات أن تتحرك فورا لرفع الضرر وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فعامل الاقليم الذي يعجز عن تدبير “لاقط فوق سطح منزل”، كيف سيدبر مشاريع كبرى وتنمية حقيقية تحترم الإنسان قبل ماوقع ويقع بالمدينة وفوق السطوح…؟
المسؤولية يتحملها الباشا ورئيس البلدية وعامل الاقليم












