
قراءة موجزة في مقتطفات من رسائل وخطب جلالة الملك محمد السادس نصره الله

احتفل الشعب المغربي يوم السبت الموافق للسادس من نونبر من السنة الجارية بالذكرى السادسة والأربعين للمسيرة الخضراء، وهو احتفال بعيد وحدث وطني بارز في تاريخ المغرب بعد حدث الاستقلال، ها نحن نحتفل جميعا في زمن تقف فيه مملكتنا صامدة أمام التحديات التي تواجه الوحدة الترابية والادعاءات والمناورات و العراقيل التي يضعها خصوم وحدتنا الترابية وعلى رأسهم جنيرالات جارة السوء الجزائر.

بهذه المناسبة وجه جلالة الملك محمد السادس مساء يوم السبت 6 نونبر ، خطابا إلى الشعب المغربي وتضمن الخطاب الملكي السامي رسائل داخلية وإقليمية ودولية، ونوه جلالته بنجاح الدبلوماسية المغربية والنهوض بتنمية أقاليمنا الجنوبية. و استحضر جلالته الحدث العظيم للمسيرة الخضراء التي كان قرار تنظيمها خيارا سلميا وحضاريا اعتمدته مملكتنا لاسترجاع حقها المشروع في سيادتها على أقاليمها الجنوبية الصحراوية. وشارك في هذه “الملحمة العظمى” مئات آلالاف من المتطوعين نساء ورجالا شيوخا وشباب، من مختلف أطياف المجتمع المغربي. و أشار جلالة الملك في خطابه إلى أن المسيرة الخضراء شكلت النموذج الفريد للتعبئة الشاملة و قاطرة للتنمية .
إن ذكرى المسير ة الخضراء تشكل لحظة ووقفة تأمل وتدبر، تكرس وتجسد خلالها أسرة المقاومة وجيش التحرير، إلى جانب سائر القوى الحية والإرادات الصادقة، قيم الوفاء للذاكرة الوطنية الجماعية، و هي تشكل مناسبة أيضا لاستحضار أرواح الشهداء وشرفاء الوطن من المدافعين عن القضية الوطنية .
حدث يخلده المغاربة كل سنة بكل فخر واعتزاز لمواصلة السير قدما على درب الإصلاحات و الإنجازات ، سعيا إلى تثبيت الوحدة و مناهضة كل الأصوات الداعية الى الانفصال و التقسيم .
حدث يؤرخ لصفحات مشرقة من النضال و يشكل لحظة قوية لاستحضار بطولة الشعب المغربي و وطنيته و تضحياته الجسيمة . حدث سيظل منقوشا بمداد من ذهب في الذاكرة المشتركة للمغاربة ، و كذلك مناسبة ووقفة للتأمل.
إن ذكرى المسيرة الخضراء تدعو القوى الحية وسائر الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية و المجتمع المدني رجال ونساء إلى الاعتزاز بالوطن والتشبع بالحس الوطني والوطنية الحقة في مواجهة التحديات وكسب رهان المستقبل، وهي مسؤولية كبرى على عاتقنا جميعا.
ولا شك أن الإيمان بعدالة القضية الوطنية التي تصدى لها المغرب للدفاع عنها سلميا أمام المنتظم الدولي، كانت هي المحرك الأساسي لتشبث المغرب ، قيادة و شعبا ، بوحدته الترابية و عدم التنازل عن شبر منها.
لقد كان قرار تنظيم المسيرة الخضراء ، مظهراً من مظاهر عبقرية الملك الحسن الثاني رحمه الله ، و سانده في ذلك الشعب المغربي بكل تلقائية و عفوية صادقة و تطوع لا مثيل له . لقد أبان الشعب ذاك الزمن عن وطنيته ، و تفانيه من أجل الدفاع عن الوحدة الترابية .
شكل الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 46 للمسيرة الخضراء تأكيدا على استمرار النهج المغربي في دفاعه الشرعي والتاريخي عن أقاليمه الجنوبية ، حيث اعتبر جلالة الملك أن الحل السياسي يتسم بالواقعية و التوافق و ينسجم مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي .
فقد صار مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب كحل سياسي للنزاع الدائر حول الصحراء المغربية يجد له أصداء إيجابية لدى المجتمع الدولي الذي يرى فيه الحل الأنسب والأمثل الذي من شأنه أن يغلق الباب أمام الدعوات الانفصالية للبوليساريو ومن يدعمهم ويقف وراءهم للمطالبة بحق “تقرير المصير”. متجاهلين بأن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تعتبر حلا سياسيا واقعيا يكرس حقيقة استحالة تطبيق مبدأ ما يحلمون به (تقرير المصير) بالشكل الذي ترغب فيه كل من الجزائر وجبهة البوليساريو، مبادرة الحكم الذاتي التي أيدتها دول العالم و أيدها أعضاء مجلس الأمن الدولي عندما أكدوا دعمهم الكامل للمسلسل السياسي الذي يجري تحت الرعاية الحصرية للأمم المتحدة منذ سنة 2007.
فمجلس الأمن ، باعتباره الهيئة التنفيذية العليا للأمم المتحدة ، كان و لا يزال واضح في هذا الصدد ، حيث أكد في قراره رقم 2548 في 30 أكتوبر 2020 ، على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية جادة وذات مصداقية وواقعية وتمثل مقاربة محتملة واحدة لتلبية تطلعات الشعب في الصحراء المغربية لإدارة شؤونهم الخاصة بسلام وكرامة . كما دعا الأطراف إلى إظهار التزامهم بحل سياسي واقعي وعملي ودائم على أساس حل وسط من خلال استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة وبحسن نية . و دعا جميع الأطراف إلى ممارسة ضبط النفس لا سيما في ضوء أحداث الكركرات التي تشكل تهديدا للسلام والاستقرار في المنطقة .
وبالتالي ، فإن مبادرة الحكم الذاتي تعد مرجعا و خارطة طريق لحل النزاع حول الصحراء ، الذي لا يمكن إلا أن يكون سياسيا وواقعيا ودائما وحلا مناسبا، يمكن أن يتبلور عن طريق النقاشات الجدية و النوايا الحسنة في إطار الموائد المستديرة .
لقد اختار المجتمع الدولي طريق الشرعية من خلال اختيار لا رجعة فيه لحل سياسي وواقعي وعملي ودائم ، تجسده مبادرة الحكم الذاتي ، التي تم التأكيد على جديتها ومصداقيتها في 16 قرارا اتخذها مجلس الأمن لدى الأمم المتحدة منذ عام 2007.
فاجتماعات مجلس الأمن الأخيرة كشفت أهمية المبادرة المغربية ، و صار النقاش حول ملف الصحراء المغربية داخل المجلس يتجه إلى اعتماد خارطة الطريق التي رسمتها المبادرة المغربية للحكم الذاتي . وبعد التصويت على تجديد ولاية المينورسو ، نتطلع إلى الدفع بالعملية السياسية التوافقية لحل النزاع حول الصحراء ،الذي طال أمده ، ما جعل مستقبل وتطلعات شعوب اتحاد المغرب الكبير رهينة بهذا النزاع بالدرجة الأولى، في وقت تحتاج فيه هذه الشعوب إلى الوحدة والتضامن أكثر من أي وقت مضى مع تصاعد التكتلات الإقليمية ما بين الدول.
وهكذا أصبح واضحا أن مجلس الأمن، وعلى غرار جميع قراراته التي تم اعتمادها منذ عام 2007، يسعى إلى تكريس مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وأوحد للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية. يبقى فقط على الجزائر ، بصفتها طرفا رئيسا في النزاع وداعما للحركة الإرهابية التي يتزعمها ابراهيم الرخيص، جارة السوء يجب تغير من موقفها المتعنت لصالح الوحدة والأمن و الاستقرار بالمنطقة .
الدبلوماسية المغربية مطالبة أيضا بكسب رهان مغربية الصحراء الشرقية واسترجاع المدن وكل الأراضي المحتلة.
التحرك الدبلوماسي للمغرب على الصعيد العالمي و التزامه بالتعاون مع الأمم المتحدة للوصول إلى حل نهائي وفق مبادرة الحكم الذاتي ، جعلت الأغلبية الساحقة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة – كما أكد ذلك العاهل المغربي في خطابه – و عددها 163 أي أكثر من 80 في المائة، تؤيد القضية العادلة للمغرب .

وارتباطا بنجاح الدبلوماسية المغربية ، فقد أشار العاهل المغربي إلى حدث هام و تاريخي يتعلق بإنشاء قنصليات للدول الصديقة في بعض مدن الصحراء المغربية . فقد شهد المغرب خلال الأشهر الأخيرة إنشاء قنصليات الدول الأفريقية الحليفة للمغرب في مدينتي العيون والداخلة. حيث بدأت الرباط استراتيجيتها في ديسمبر 2019 بفتح قنصلية لجزر القمر، واستمرت في يناير 2020 مع نظيراتها في غامبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وغينيا ودول أفريقية. وتم الإعلان عن أيضا هذه السنة عن افتتاح قنصليات بوركينا فاسو وغينيا بيساو وغينيا الاستوائية، و زامبيا وإسواتيني (سوازيلاند سابقا). والإمارات العربية المتحدة بمدينة العيون . وعشرات الدول عازمة على فتح قنصلياتها قريبا بالصحراء المغربية.

ولم تفت الفرصة جلالة الملك للحديث عن موضوع جد هام يتعلق بتنمية الأقاليم الصحراوية . فبعد مرور 46 سنة على انطلاق المسيرة الخضراء ، التي مكنت المغرب من استرجاع أقاليمه الجنوبية، يواصل المغرب بنفس العزم والإصرار العمل على تنمية هذه الأقاليم، وجعلها نموذجا ليس فقط بالنسبة للجهات المغربية الأخرى ولكن بالنسبة لإفريقيا . فمنذ استرجاع هذه الأقاليم، انطلقت عملية تعبئة وطنية حقيقية من أجل النهوض بتنميتها على غرار باقي أقاليم وجهات المملكة ، حيث تم إطلاق مشاريع تنموية كبيرة، وضعت رفاهية المواطن الصحراوي في صلب الأولويات، وهو خيار مهد الطريق أمام تحول عميق في الأقاليم الجنوبية.
و ركز جلالة الملك في معرض خطابه على جعل الأقاليم الجنوبية نموذجا للتنمية، من خلال الإعلان عن مشاريع كبرى ستشهدها الأقاليم الجنوبية ، خاصة في مجال النهوض بالقطاع البحري و إنشاء ميناء الداخلة المتوسط لتطوير الاقتصاد البحري للأقاليم الجنوبية و استغلال مواردها وإمكاناتها ، واستغلال الطاقة الريحية و تنشيط القطاع السياحي ، حتى ستصير هذه المنطقة جسرا للعمق الإفريقي.
ولم ينسى جلالة الملك ترسيم الحدود للمياه الإقليمية المغربية في الجنوب نظرا لأهميتها من ناحية القانون الدولي و دورها في تعزيز الدينامية الاقتصادية و التجارية . وقد تم ذلك السنة الماضية عندما صادق البرلمان المغربي على قانونين يتعلقان بتحديد المياه الإقليمية المغربية. أقاليمنا الجنوبية تعرف نهضة تنموية شاملة ، من بنيات تحتية ومشاريع اقتصادية واجتماعية. وبفضل هذه المشاريع أصبحت جهات الصحراء المغربية ، فضاء مفتوحا للتنمية والاستثمار ، الوطني والأجنبي وقال جلالته نود أن نعبر عن تقديرنا، للدول والتجمعات، التي تربطها بالمغرب اتفاقيات وشراكات، والتي تعتبر أقاليمنا الجنوبية، جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني. كما نقول لأصحاب المواقف الغامضة أو المزدوجة، بأن المغرب لن يقوم معهم، بأي خطوة اقتصادية أو تجارية، لا تشمل الصحراء المغربية.











