هيئة من ورق… حين يُنتحل التمثيل خارج القانون

هناوي الهادي5 مايو 2026Last Update :
هيئة من ورق… حين يُنتحل التمثيل خارج القانون

 في زمنٍ صار فيه البعض يخلط بين المبادرة والارتجال، وبين التنظيم والفوضى المقنّعة، خرج إلى العلن كيانٌ جديد يحمل اسماً كبيراً… لكنه، في ميزان القانون، أخفّ من ورقة في مهب الريح. ما سُمّي بـ“الهيئة الوطنية للمحكمين بالمغرب” ليس سوى عنوانٍ بلا مضمون، وصدى بلا أصل، ومحاولة لإضفاء الشرعية على ما لا شرعية له. ماذا بقي إذن للمحاكم الابتدائية والاستئنافية ومحكمة النقض ولرؤساء المحاكم ووكلاء الملك والقضاة والقاضيات 

فأي منطق هذا الذي يجعلنا نتجاوز مؤسسات قضائية قائمة وراسخة، ومؤطرة بنصوص واضحة..؟ ماذا بقي إذن لرئاسة النيابة العامة، إذا صار كل من جمع توقيعات أو عقد اجتماعاً يُعلن نفسه ممثلاً لمهنة أو ناطقاً باسمها..؟ إننا أمام سابقة خطيرة، لا لأنها فقط خارج القانون، بل لأنها تفتح الباب أمام “فوضى الهيئات” حيث يصبح التمثيل مجرد ادعاء، والصفة مجرد شعار. بلاغ وزارة العدل لم يكن مجرد ردّ إداري عابر، بل كان صفعة قانونية أعادت الأمور إلى نصابها. فإحداث الهيئات الوطنية ليس هواية ولا اجتهاداً فردياً، بل اختصاص حصري للمشرّع، يضبطه القانون وتحدده النصوص. أما التحكيم، فهو مهمة يمارسها مهنيون من تخصصات متعددة، وليس مهنة مستقلة تُفصّل لها هيئة على المقاس.
إن أخطر ما في هذه المبادرة ليس إعلانها في حد ذاته، بل ما تلاه من استعجال في تنصيب “مكاتب تنفيذية” وإصدار بلاغات بلهجة الواثق، وكأن الشرعية تُمنح بالبيانات لا بالقوانين. وهنا يحق التساؤل، هل نحن أمام رغبة في التنظيم، أم أمام سباق نحو الأضواء تحت غطاء قانوني مهترئ..؟
وزارة العدل، برفضها الواضح، لم تدافع فقط عن النص القانوني، بل عن هيبة المؤسسات، وعن منطق الدولة الذي لا يقبل القفز على المساطر ولا اختراع كيانات خارج الشرعية. وفتحها لورش إصلاح الإطار القانوني للتحكيم والوساطة يؤكد أن التطوير ممكن لكن من داخل المؤسسات، لا من خارجها.
اختم افتتاحيتي بكلام لا يحتاج للتأويل، وهو أن في دولة المؤسسات، لا مكان للهيئات الوهمية، ولا شرعية لكيانات تولد خارج رحم القانون. ومن أراد التمثيل، فطريقه واحد يمر عبر التشريع، لا عبر البلاغات.
 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News