قانون يُفصَّل على المقاس وصحافة تُستعمل كعصا غليظة

هناوي الهادي31 ديسمبر 2025Last Update :
قانون يُفصَّل على المقاس وصحافة تُستعمل كعصا غليظة

ليس من الحكمة اختزال أزمة الصحافة في ثنائية ساذجة تقول إن الورق انتهى وأن الشاشة هي قدر المهنة ومصيرها المحتوم. هذا التبسيط المخل لا يختلف كثيرًا عن النبوءات المتسرعة التي بشّرت سابقًا بانقراض الكتاب الورقي، قبل أن يثبت الواقع أن الثقافة لا تُقاس بالوسيط بل بقيمتها ودورها. ما تعيشه الصحافة اليوم ليس تحوّلًا طبيعيًا في الأدوات، بل اختناقًا بنيويًا في شروط الإنتاج والتوزيع والتموقع داخل المشهد العام فالصحف ورقية كانت أو رقمية، لم تعد تكافح من أجل التأثير فقط، بل من أجل البقاء ذاته، في سوق لم تعد فيه المبيعات تعكس تاريخها ولا وزنها الرمزي، إلى درجة أن مجموع ما تبيعه الجرائد اليوم لا يوازي ما كانت تبيعه صحيفة واحدة قبل سنوات قليلة. غير أن تحميل القارئ أو الصحافي وحده وزر هذا الانحدار يبدو ضربًا من الهروب إلى الأمام، لأن الأزمة أعمق وأعقد، وتتقاطع فيها اختلالات السياسة العمومية، وارتباك الرؤية الرسمية لدور الإعلام، وعجز مهني عن مواكبة التحولات، إلى جانب واقع اجتماعي ضاغط حوّل اقتناء الجريدة من فعل ثقافي يومي إلى كماليات مؤجلة. إنها أزمة منظومة كاملة ولا أزمة ورق وخيارات أو قراء .

يبدو أن قطاع الإعلام بالمغرب مقبل على واحدة من أكثر محطاته توتراً، مع اقتراب صيف يُنذر بالتصعيد المفتوح، في ظل احتقان غير مسبوق بين الجسم الصحفي والوزارة الوصية. فقد أعلنت الهيئات النقابية والمهنية الأكثر تمثيلية في قطاع الصحافة والنشر عن إطلاق برنامج احتجاجي تصاعدي على المستوى الوطني، ملوّحة في الآن ذاته بتدويل الملف والترافع بشأنه أمام الهيئات والمؤسسات الدولية المختصة. هذا التحرك لا يأتي من فراغ، بل هو ردّ مباشر على إصرار وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بقيادة الوزير المهدي بنسعيد، على تمرير مشروع القانون رقم 026.25 بصيغته الحالية، دون أي اعتبار للتحفظات المهنية أو الملاحظات الدستورية، وكأن الأمر يتعلق بإجراء إداري عابر، لا بنص تشريعي يُفترض أن يؤطر مهنة تُعدّ من ركائز دولة الحق والقانون.
غير أن الأخطر في هذا المشهد، حسب اعتقادي كصحفي مهني، لا يكمن فقط في مضمون القانون أو في المنهجية الأحادية التي اعتمدتها الوزارة، بل في الاصطفاف المريب لعدد من كبريات المنابر الصحفية والمواقع الإخبارية المٱجورة، التي تحولت بشكل فجّ إلى أدوات هجومية، تشن حملات منظمة ضد كل صوت مهني أو نقابي تجرأ على انتقاد المشروع أو مساءلة خلفياته السياسية؛ صحافة كان يُفترض أن تقوم بدورها الرقابي والنقدي، اختارت عن سبق إصرار  موقع “الدفاع الأعمى”، مقدّسة قرارات جائرة، ومبرّرة تشريعات مرفوضة، بل ومهاجمة الصحفيين أنفسهم، في مشهد يختزل كيف يمكن للنفوذ والمال أن يشتريا الصمت، أو يحوّلاه إلى ضجيج موجَّه. وفي بيان شديد اللهجة، اعتبرت الهيئات المهنية أن تشبث الوزارة بموقفها يشكل استهانة بدولة القانون وضرباً لأدوار المؤسسات الدستورية، خاصة في ظل تجاهل ملاحظات جوهرية أبدتها مؤسسات دستورية بخصوص النص المثير للجدل. كما شددت على أن ما يجري ليس مجرد خلاف تقني، بل محاولة لإعادة هندسة الحقل الصحفي بمنطق الوصاية والتحكم.
الهيئات النقابية أكدت الشروع الفوري في تنزيل برنامجها النضالي، معتبرة أن هذه المعركة لا تتعلق فقط بالدفاع عن مكتسبات مهنية، بل بمواجهة نموذج تدبيري يُراد فرضه بالقوة، وبتواطؤ إعلامي مكشوف، في قطاع يُفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن الحرية لا أداة لتكميمها.
وفي انتظار ما ستؤول إليه الأيام المقبلة، يبقى السؤال معلقاً؛ 
هل نحن أمام إصلاح حقيقي لقطاع الصحافة أم أمام قانون يُمرَّر تحت غطاء سياسي تحرسه كتائب إعلامية فقدت بوصلتها المهنية…؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News