في السياسة، حين يضيق الحاضر عن تقديم الأجوبة، يلجأ البعض إلى الماضي كخشبة مسرح يعاد فوقها عرض نفس المشاهد القديمة مع اختلاف طفيف في الديكور، وثبات في الأسلوب. هكذا عاد عبد الإله بنكيران ليُخرج من جعبته قاموس “التيران”، ملوّحًا مجددًا بورقة الشارع، وكأن عقارب الساعة لم تتحرك منذ زمن حراك 20 فبراير.

في خرجة جديدة على منصات التواصل، اختار زعيم “المصباح” أن يبعث برسائل مشفرة ومشحونة في آن واحد، موجّهًا بوصلتها نحو فؤاد عالي الهمة، في أسلوب يعكس محاولة لإعادة إشعال فتيل النقاش عبر أسماء وازنة، بدل مقارعة الواقع ببرامج وأفكار. حديث بنكيران عن “العودة إلى الميدان” لم يكن مجرد زلة لسان عابرة، بل بدا أقرب إلى استدعاء متعمد لذاكرة الصدام، وكأن السياسة لا تُمارس إلا على حافة التوتر. الرجل الذي خبر دهاليز الحكم، يعرف جيدًا أن المغاربة اليوم لا ينتظرون مباريات في “رفع الصوت”، بل حلولًا لأسئلة أكثر إلحاحًا: غلاء المعيشة، أزمة الشغل، اختلالات التعليم، وضغط المنظومة الصحية. ومع ذلك، يصر على إعادة تسخين خطاب سبق أن استُهلك حتى آخر قطرة، في وقت تغيّر فيه المزاج العام، وأصبح أكثر براغماتية وأقل قابلية للانجرار خلف الشعارات. اللافت أن هذه الخرجة لم تضع فقط خصومه في زاوية التساؤل، بل أربكت أيضًا بيته الداخلي. فداخل حزب العدالة والتنمية، تتعالى أسئلة صامتة: هل نحن أمام محاولة إنعاش سياسي عبر “الضجيج”، أم إعلان غير مباشر عن عجز في إنتاج خطاب بديل؟ وهل العودة إلى معارك الأمس كفيلة بإقناع ناخب أنهكته الوعود؟
الأخطر في هذا الأسلوب، ليس فقط لغته التصعيدية، بل اقترابه من مناطق حساسة، حيث يصبح التمييز بين التنافس الحزبي واحترام المؤسسات خيطًا رفيعًا. والسياسة، مهما اشتد صخبها، تبقى فن الممكن… لا فن افتعال الأزمات.
في النهاية، يبدو أن بنكيران يراهن على ذاكرة قصيرة، بينما الواقع يقول إن المغاربة أصبحوا أكثر تطلبًا وأقل انبهارًا بالخطابات الحماسية. فمن يريد العودة حقًا، لا يكفيه أن يلوّح بالشارع، بل عليه أن يقنع الناس بأنه يحمل شيئًا جديدًا غير “نسخة 2011” بنكهة مُعاد تسخينها.









