مــــــا هـــــذا العـــبث

هناوي الهادي28 أبريل 2026Last Update :
مــــــا هـــــذا العـــبث

 لنكن جادين وواضحين منذ البداية من يعتقد أن حرق الأعلام بطولة، يعيش وهماً قديماً انتهت صلاحيته منذ عقود، ولم يبق منه سوى الدخان والكثير من الضجيج الفارغ.

في كل مرة يخرج علينا “ كوفيّو الغفلة والمناسبات” ووعّاظ الظلام بخطابهم المزدوج، يرفعون شعارات نصرة القضايا العادلة نهاراً، ويهمسون في الكواليس بسقوط النظام. وهو ما لا يجرؤون على قوله علناً، ناهيك عن شتائم المؤسسات الأمنية وقضاة المملكة وثوابت البلاد وعلى رأسها المؤسسة الملكية. نفس الوجوه التي تتباكى على القضايا الخارجية، لا تجد حرجاً في تكفير أصدقاء المملكة أو تخوين كل من يخالفها، وكأن الوطنية صارت عندهم موسماً، لا موقفاً.

هؤلاء لم يجدوا ما يقدّمونه سوى استيراد طقوس بالية، أبرزها حرق الأعلام، وعلى رأسها علم دولة مثل إسرائيل، في مشهد يظنون أنه سيكسبهم تصفيق “المشارقة”. لكن الحقيقة التي يتجاهلونها عمداً هي أن تلك الأساليب فقدت معناها حتى في بيئتها الأصلية. فالمشرق نفسه جرّب طويلاً هذه العروض النارية، ولم تحرّر أرضاً ولم تغيّر موازين القوى، بل أضافت مزيداً من الانقسام والتعبئة الفارغة.
الأكثر مفارقة أن من يزايدون اليوم بحرق الأعلام، يتناسون أو يجهلون أن المغرب، بتاريخ مؤسساته وثوابته، كان دائماً يتعامل مع القضايا الدولية بمنطق الدولة لا بمنطق الشارع. حينها، لم يكن استعراض الحرق معياراً للوطنية، بل كانت الحكمة والاتزان هما العنوان الأبرز.
بل إن الذاكرة لا تخلو من مشاهد معاكسة تماماً، ففي خضم صراعات الشرق، تم حرق العلم المغربي نفسه في شوارع بيروت احتجاجاً على مواقف سيادية للمملكة. فهل كان ذلك عملاً “نضالياً” أيضاً..؟ أم أن الحرق يصبح مقبولاً فقط حين يخدم أجندات معينة..؟
الحقيقة التي يحاول هؤلاء القفز عليها، هي أن تظاهرات “ المطعم البلدي”  كما يسميها البعض  لا تقدم ولا تؤخر في القضايا الكبرى، لكنها تنجح في شيء واحد فقط، إحداث شروخ داخل المجتمع المغربي، وضرب ذلك التماسك الذي ظل عبر التاريخ أحد أقوى أسلحة هذا البلد.
الخلاصة أن حرق الأعلام ليس موقفاً سياسياً، بل عادة مستوردة فقدت رمزيتها، ولا تصلح إلا لتغذية الأوهام وتمديد زمن الشعارات. أما المغرب، فكان وسيظل أكبر من هذه المسرحيات، وأذكى من أن يستبدل عمق دولته برماد قطعة قماش تحترق في الشارع. أليس من الغريب، بل من المثير للشفقة، أن يتحول “نضال” بعض الكوفيين ووعّاظ الظلام إلى طقس موسمي لا يكتمل إلا بحرق علم اسرائيل، بينما تختفي شجاعتهم فجأة عندما يتعلق الأمر بأعلام دول أخرى..؟ لماذا لا نرى في مسيراتهم علم إيران يُرفع أو يُمزق ويحرق..؟ ولماذا لا يقتربون حتى من راية الجزائر الجار العدو، أو ما يسمونه جمهورية الوهم. ؟ أهو انتقاء بريء، أم انتقائية مفضوحة تكشف أن المسألة لا علاقة لها بالمبادئ بقدر ما هي حسابات ضيقة وشجاعة انتقائية تُمارَس فقط حين يكون الثمن صفراً..؟ هذا الصمت الانتقائي لا يفضح فقط ازدواجية الخطاب، بل يكشف أن بعض “ المناضلين” لا يجيدون سوى استعراضات آمنة، يختبئون فيها خلف شعارات مستوردة، بينما يتجنبون بعناية كل ما قد يضعهم أمام اختبار. حقيقي لمواقفهم.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News