هم العدو فاحذرهم

هناوي الهادي27 أبريل 2026Last Update :
هم العدو فاحذرهم

على درب هذا المسرح السياسي المتعفن المزدحم بالخطب الرنانة، تظهر كائنات غريبة الأطوار “ كفرسان من ورق مقوى يفتون في كل شيء ويحشرون انوفهم في كل القضايا بوجوه من ” قزدير” متجهمة حين يتعلق الأمر بايران وفلسطين، بحناجر مبحوحة من شدة الصراخ ضد ما يسمونه احتلال، وكأنهم في سباق مفتوح على من يزايد أكثر في سوق الشعارات. لكن، ويا للمفارقة التي لم تعد تثير حتى الدهشة، سرعان ما يخفت الصوت، ويُضبط الإيقاع، وتتحول الحناجر إلى همس خجول حين تقترب الكاميرا من قضيتنا الوطنية ومن الداخل نعم حيث تُطبخ السياسات وتُوزع الغنائم.

هنا، لا حديث عن لوبيات المحروقات، ولا عن جشع العقار، ولا عن أسعار تشتعل كأنها في مهمة انتقامية من جيوب المغاربة. هنا، تختفي لغة “نضال الكوفيين واليساريين” لتحل محلها بلاغة التبرير، ويصبح الصمت فجأة موقفاً “حكيماً”، بل وربما “وطنياً” في قاموس الانتهازيين.

أي عبقرية سياسية هذه التي تجعل القطط أسوداً على المنصات حين يكون الخصم بعيداً، وصراصير حين يتعلق الأمر بحكومة تقودها مصالح متشابكة ونفوذ اقتصادي لا يُمس..؟ وأي نضال هذا الذي يُفصَّل حسب المقاس، يُرفع فيه الصوت حيث لا كلفة، ويُخنق حيث تبدأ الحسابات الحقيقية..؟
الحقيقة التي يحاول الكوفيين.

وغيرهم من المنافقين أعداء النظام الملكي القفز عليها، هي أن القضية الفلسطينية لم تعد فقط قضية عادلة في وجدان الشعوب، بل أصبحت أيضاً عندهم كما عند البعض “ أصلاً تجارياً” يُستثمر سياسياً، يُستدعى عند الحاجة لتلميع الصورة، وتوجيه الغضب الشعبي نحو الخارج، بعيداً عن ملفات الداخل الثقيلة والمحرجة. أما المواطن المغربي،  الذي يُطلب منه التصفيق في المسيرات، فهو نفسه الذي يُترك وحيداً في مواجهة لهيب الأسعار، واحتكار الأسواق، وتضارب المصالح الذي لم يعد يحتاج إلى دليل. مواطن يُراد له أن يكون مناضلاً موسمياً لا أكثر.
النضال، في جوهره، لا يقبل القسمة على اثنين. لا يمكن أن تكون ضد الظلم هناك، ومتسامحاً معه هنا. ولا يمكن أن تدّعي الدفاع عن الكرامة الإنسانية وأنت تغض الطرف عن تآكلها اليومي داخل وطنك من طرف الساسة. في النهاية، يبدو أننا لسنا أمام قوى سياسية تمارس النضال بقدر ما نحن أمام محترفين في “ إعادة توجيه البوصلة”… حيث تُختزل السياسة في الكذب والنفاق و فن الهروب إلى الأمام، ويُختصر الالتزام في رفع الصوت حين يكون الثمن صفراً. وهنا فقط، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، هل نحن أمام سياسيين و مناضلين فعلاً..؟ أم أمام تجار بارعين في تسويق القضايا..؟ على العموم نحن في زمن اختلطت فيه الأصوات وارتفعت فيه تجارة الشعارات أكثر من منسوب الصدق، يظل هناك من لا يحتاج إلى مكبرات صوت ليُثبت غيرته على الوطن. هناك من يشتغلون في صمت، بعيداً عن أضواء المنصات وضجيج “النضال المناسباتي”، من مؤسسات الدولة وأطرها بالولايات وبالعمالات التي تُدبّر الشأن العام يومياً، ومن مسؤولين ميدانيين يسهرون على تنزيل القرارات وخدمة المواطنين، إلى جانب أجهزة المخابرات و الأمن الوطني والدرك الملكي تسهر على الأمن والاستقرار، وكفاءات مالية تحاول ضبط التوازنات في ظرفية معقدة، مدراء الضرلئب ومسؤولين في الإدارة الجبائية يسعون حين تُحترم القواعد إلى إرساء قدر من العدالة الجبائية. وبموازاة ذلك، لا يمكن إنكار وجود فاعلين اقتصاديين ومستثمرين اختاروا الاستمرار في العمل بنزاهة، بعيداً عن منطق التحول حسب اتجاه الريح. هؤلاء جميعاً، بمختلف مواقعهم، يمثلون الوجه الذي لا يُرى كثيراً، لكنه يُبقي المرفق العمومي قائماً ويمنح لفكرة الدولة معناها العملي، بعيداً عن المزايدات والادعاءات الجوفاء.

اختم افتتاحية بداية هذا الاسبوع بالقول أن بمملكتنا، لا ينقصنا “ المناضلون” بل يفيض بهم المشهد حتى التخمة بوطننا اصبح كل من هب ودب مناضلا وصحفيا وعالما وسياسيا. مناضلون موسميون، يظهرون كلما اشتد وهج الكاميرات، يرفعون شعارات كبرى بحجم القارات، ثم يطوونها بعناية عندما تقترب الأسئلة من فواتير الداخل. يتقنون فن ” تخراج العينين” والصراخ عن المظالم البعيدة، ويبدعون أكثر في الصمت حين يتعلق الأمر بقضيتنا الوطنية وبجيوب المواطنين هنا. كأن البوصلة لديهم تعمل بنظام خاص تشير إلى الخارج بدقة، وتتعطل تماماً عند أول منعطف داخلي. هكذا تتحول القضايا العادلة إلى منصات للعرض، ويصير الغضب الشعبي مادة خام لإعادة التدوير السياسي حيث تُباع الشعارات بالجملة، وتُشترى المواقف بالتقسيط المريح، رغم هذا الضجيج، تظل هناك حقيقة لا تحتاج إلى مكبرات صوت، وهي أن الثقة لا تبنى بالشعارات، بل بالفعل اليومي الصامت. في هذا البلد، يُعلَّق الأمل على من يخدمون دون استعراض، على مؤسسات تشتغل، وعلى كفاءات تضع المصلحة العامة فوق كل حساب. حين تُحترم القواعد وتُفعَّل الرقابة وتُصان الماليات، يصبح الإصلاح ممكناً، وتضيق مساحة الانتهازية مهما علا صراخها. وبين ضجيج “تجار القضايا” وصمت العاملين بجد، يبقى الرهان على ترسيخ النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى كل شريف مهما كان موقعه أن يختار بوضوح إما خدمة الصالح العام بثبات، أو الانضمام إلى جوقة الشعارات التي تستهلك الأزمات ولا تحلّها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News