دكتاتورية زعيم داخل حزب… حين يصبح الحزب ملكية خاصة

هناوي الهادي23 أكتوبر 2025Last Update :
دكتاتورية زعيم داخل حزب… حين يصبح الحزب ملكية خاصة

 للأسف الشديد الأحزاب التي تدّعي الدفاع عن الديمقراطية والشفافية صارت، في الواقع، أسواقًا لبيع التزكيات وتوزيعها على من يدفع أكثر، لا على من يستحق. فالكثير من المرشحين الذين يحصلون على “الورقة السحرية” لا تربطهم بالسياسة أي علاقة، ولا يعرفون لا تاريخ الحزب ولا مبادئه ولا قادته، كل ما يعرفونه هو “الراعي الكبير” أو ما يُسمّى بـ”لباطرون مول الحزب”، الذي يحتكر القرار ويمنح التزكيات كما يمنح رخصًا للامتياز. هكذا أصبح المعيار الحقيقي ليس الكفاءة ولا النضال، بل المال والنفوذ والولاء الأعمى. لم يعد مستغربًا أن نرى في البرلمان أو المجالس المنتخبة أميين، وتجار مخدرات، وأصحاب سوابق، يتحدثون باسم الشعب ويمارسون السياسة بمنطق الغنيمة. وهنا تضيع القيم، وتتحول المؤسسات المنتخبة إلى فضاء للصفقات والمصالح ولا غرابة أن يصوت عضو من حزب يساري على عضو من حزب يميني مقابل المال وهو اشترى التزكية بالمال، هذه ضريبة الحزبية الضيقة و السياسة المتعفنة الاحزاب بدل أن تكون مدارس للوطنية والمواطنة تحولت لأسواق لبيع التزكيات واستقطاب الأميين وكل من هب ودب

أصدرت المحكمة الإدارية يوم الأربعاء 22 أكتوبر 2025 حكماً يقضي بتجريد ستة مستشارين جماعيين من عضويتهم، جميعهم ينتمون إلى حزب التقدم والاشتراكية، بعد أن اختاروا في انتخابات جزئية التصويت لمرشح حزب التجمع الوطني للأحرار بدلاً من مرشحة حزبهم، حكمٌ جاء بناءً على مذكرة رفعها الأمين العام للحزب نبيل بنعبد الله بنفسه، وكأنه يقول بوضوح: من خالف الزعيم، فمصيره الطرد.
لكن خلف هذا القرار تبرز أسئلة مقلقة عن واقع الديمقراطية الداخلية في الأحزاب المغربية، وعن حدود سلطة “الزعيم” الذي أصبح في كثير من الحالات أقوى من الحزب وأعلى من المؤسسات. متى أصبح الحزب ضيعة شخصية..؟ نبيل بنعبد الله، الذي يقود الحزب منذ أكثر من عقدين، لا يرى في التعدد داخل التنظيم سوى تهديد لسلطته، منذ متى أصبحت حرية الرأي داخل الأحزاب جريمة..؟ هل أصبح الاختلاف في التقدير أو في التصويت “خيانة” تستوجب الإعدام السياسي..؟ يبدو أن حزب التقدم والاشتراكية الذي حمل يوماً شعار “الديمقراطية والعدالة الاجتماعية” تحول إلى نموذج مصغر لدكتاتورية القرار، حيث كل صوت مخالف يُقصى، وكل مناقشة داخلية تُعتبر تمرداً، عندما تتحول التزكية إلى سلاح سياسي، الجميع يعلم أن التزكيات الحزبية في المغرب كثيراً ما تُمنح بالمقابل، وأنها لا تمر عبر آليات ديمقراطية شفافة. ومع ذلك، نجد القيادات نفسها التي تتلاعب بملفات الترشيح، تتحدث اليوم عن “الانضباط” و”الولاء”، وكأن الحزب ليس سوى ملكية محفوظة باسم الزعيم.
إن العقاب الذي طال المستشارين الستة لا يمكن قراءته إلا في سياق الانتقام السياسي، وليس في إطار “احترام الانضباط الحزبي” كما يروج له الخطاب الرسمي للحزب. فالمسألة ليست قانوناً ولا أخلاقاً، بل تصفية حسابات داخلية بغطاء قانوني، تناقض صارخ بين الخطاب والممارسة، يتحدث الأمين العام لهذا الحزب في كل خرجاته عن ضرورة تجديد النخب وبناء الديمقراطية الحزبية، لكنه في الواقع لا يسمح بأي اختلاف داخل التنظيم، كيف يمكن لحزب يُقصي أبناءه أن يدّعي الدفاع عن الديمقراطية في الوطن..؟ وكيف يمكن لزعيمٍ أن يطالب بالحرية والشفافية خارج الحزب، وهو لا يمارسها داخله..؟ أحزابنا تحتاج إلى ثورة داخلية، القضية اليوم أكبر من ستة مستشارين جُردوا من عضويتهم، وأعمق من حكمٍ إداري يحمل رقم 7036، إنها قضية ثقافة سياسية مشوهة تعتبر الزعيم سلطانا لا يُسأل عما يفعل، والحزب مزرعة لا يدخلها إلا من يسبّح بحمده. ما تحتاجه أحزابنا ليس مزيداً من القوانين، بل جرعة من الديمقراطية الحقيقية التي تُعيد الاعتبار للنقاش، للاختلاف، وللكرامة السياسية داخل التنظيمات، ما وقع للمستشارين الستة الذين جُرّدوا من عضويتهم لا يمكن قراءته إلا في سياق الانتقام السياسي المقنّع بشعارات الانضباط الحزبي واحترام القواعد الداخلية. فالقضية تتجاوز مجرد تصويت مخالف أو خرق للقرارات التنظيمية، إلى مسألة أخلاق سياسية مفقودة داخل المشهد الحزبي، حيث تحوّل الولاء للأشخاص إلى معيار أقوى من الكفاءة والمصداقية. إن كل الأحزاب، في الأصل مغربية ووطنية في هويتها ومشروعها، ولا ضير أن يصوّت مستشار من حزبٍ ما لمرشحٍ من حزبٍ آخر إذا كان يرى فيه الكفاءة والنزاهة وخدمة المصلحة العامة. لكنّ العقلية السائدة اليوم في بعض التنظيمات باتت تعتبر ذلك “خيانة”، في حين أنه تعبير عن استقلالية القرار وحرية الاختيار. المؤسف أنّ الصراع لم يعد على الأفكار أو البرامج، بل على الكراسي والمناصب، وكأن السياسة تحوّلت إلى غنيمة لا إلى خدمة. والمفارقة أن هذه الأحزاب التي تتحدث عن الانضباط هي نفسها التي تهمل مناضليها الحقيقيين الذين واجهوا المضايقات والإقصاء داخل الجماعات الترابية دون أن يتحرك أحد لنصرتهم. على هذا الدرب أسوق نموذج من عشرات النماذج.

 التقيت في الصيف الماضي بمدينة تافراوت بأحد المنتخبين الذين ترشحوا باسم حزب التقدم والاشتراكية، وروى لي كيف تعرّض خلال ولايته الأولى لمضايقات متكرّرة من أطراف بالأغلبية داخل الجماعة، دون أن يجد أي دعم من قيادة الحزب أو حتى تضامن رمزي. تلك القصة تختزل واقعاً مؤلماً: أحزاب تُعاقب من يصوّت بقناعته، وتصمت عن مناضليها حين يُظلمون.

إن ما نعيشه اليوم ليس نقاشاً حول الانضباط، بل حول معنى الانتماء الحزبي في زمن فقد فيه الحزب روحه النضالية وتحول إلى آلة انتخابية باردة، تُقصي المخلصين وتكافئ الموالين… يتبع

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News