رجالات السلطة شرفاء، نزهاء وأكْفَاء ومحنكين علميا وسياسيا

هناوي الهادي23 أبريل 2026Last Update :
رجالات السلطة شرفاء، نزهاء وأكْفَاء ومحنكين علميا وسياسيا

على امتداد أكثر من ثمانية وثلاثين عامًا في دروب مهنة المتاعب كصحفي، لم تكن تجربتي مجرد متابعة للأحداث أو نقلٍ للوقائع، بل كانت مسارًا إنسانيًا ومهنيًا نسجت خلاله علاقات عميقة مع مختلف الفاعلين في تدبير الشأن العام. ومن بين هؤلاء، يحتل رجال السلطة مكانة خاصة في ذاكرتي وتجربتي؛ إذ أستطيع القول، دون مبالغة، إنني اكتسبت صداقة ومودة الكثير منهم، وهي صداقة مبنية على الاحترام المتبادل والتقدير الصادق، لم تكن هذه العلاقات وليدة مجاملة عابرة أو تقاطع ظرفي، بل تشكلت عبر سنوات من الاحتكاك الميداني، ومواكبة دقيقة لعملهم اليومي، حيث لمست عن قرب ما يتحلون به من حنكة و انضباط، وجدية، وحس عالٍ بالمسؤولية. لذلك، فإن شهادتي في حقهم ليست انطباعًا سطحيًا، بل خلاصة تجربة طويلة جعلتني أكن لهم كل التقدير، وأرى فيهم ركيزة أساسية في استقرار الإدارة وحسن تدبير الشأن العام.

في زمن اختلطت فيه المعايير، وأصبح الصوت العالي بديلاً عن الكفاءة، يظل رجال السلطة من ولاة وعمال وكتاب عامين وباشوات ورؤساء دوائر وقياد نموذجًا مختلفًا في تدبير الشأن العام، قائمًا على التكوين الصارم والخبرة المتراكمة والانضباط المؤسسي. هؤلاء ليسوا نتاج الصدفة ولا صنيعة مزاج انتخابي عابر، بل هم خلاصة مسارات علمية دقيقة وتكوينات أكاديمية عالية، تُصقلها سنوات من الممارسة الميدانية في مختلف ربوع البلاد.
إن رجل السلطة، قبل أن يكون مسؤولًا إداريًا، هو إطار متمرس في فهم الدولة وآلياتها، متمكن من أدوات التحليل واتخاذ القرار، ومدرك لتعقيدات التوازن بين متطلبات التنمية وحفظ النظام العام. تكوينه لا يقتصر على الشهادات العليا فقط، بل يمتد إلى مدرسة يومية في الاحتكاك المباشر بقضايا المواطنين، من أدق التفاصيل المحلية إلى أعقد الملفات الاستراتيجية.
في المقابل، يطرح واقع الممارسة السياسية لدى جزء من المنتخبين إشكالات حقيقية تتعلق بمستوى التأهيل والقدرة على مواكبة حجم المسؤولية. فالمشهد لا يخلو من نماذج ارتبط حضورها بمنطق المناسبات أو الحسابات الضيقة، أكثر مما ارتبط بالكفاءة أو الرؤية. وهو ما يخلق فجوة واضحة بين من يدبر الشأن العام بعقلية الدولة، ومن يتعامل معه بمنطق الظرفية أو المصلحة الآنية.
ليست المسألة هنا تقليلًا من قيمة العمل السياسي أو دور المنتخبين، فالمؤسسات المنتخبة ركن أساسي في البناء الديمقراطي، لكن المقارنة الموضوعية تفرض الاعتراف بأن رجال السلطة، بحكم تكوينهم ومسارهم، يمتلكون أدوات أكثر رسوخًا في التدبير، وأفقًا أوسع في الفهم، وقدرة أكبر على الاستمرارية والنجاعة.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في خلق تعارض بين الطرفين، بل في الارتقاء بالفعل السياسي ليوازي مستوى الاحترافية الذي يميز الإدارة الترابية، حتى يصبح التكامل—لا التنافر هو القاعدة، خدمةً للمواطن أولًا وأخيرًا.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News