الحمد لله والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك اما بعد.
فالدعاء عبادة عظيمة يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى، وهو سلاح المؤمن في جميع أمور حياته، ولو علم الإنسان أثر الدعاء والاستجابة لما توقف عنه. والدعاء نوعان: الأول: دعاء عبادة؛ يقوم به العبد اعترافاً بفضل الله، والاستغفار للتقصير في عبادته وهو أعظم الأنواع. الثاني: دعاء المسألة لقضاء الحاجات؛ وهو الدعاء بجلب نفع أو إبعاد مضرة، وقد تكون للمسلم والكافر ويكون للأمور الدنيوية، ولا يعني استجابته محبة الله ونيل رضوانه، وإنما رحمة من الله لمن دعاه به. وقد جاء الأمر بالدعاء في القرآن الكريم بصيغ وأساليب متعددة منها: 1- قوله تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [الأعراف: 55]. 2- وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر 60]. 3- وقوله عز من قائل: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]. . وقد دلت الأحاديث على أن العبد لا يعدم من دعائه خيرا، ففي الحديث ، ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالو إذن نكثر، قال الله أكثر وأطيب، رواه أحمد. وجاء في الحديث التصريح بأن إعطاء العبد إحدى هذه الخصال الثلاث يعد استجابة لدعائه، قال صلى الله عليه وسلم: “ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب له، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، أو يستعجل. قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل؟ قال: يقول: دعوت ربي فما استجاب لي.) رواه أحمد والترمذي، فهذا كله من استجابة الدعاء، والله تعالى يفعل لعبده ما هو الخير والمصلحة. فعلى العبد أن يجتهد في الدعاء محسنا ظنه بربه، عالما أن الخير لا يأتي إلا من قبله تعالى، ثم يرضى بعد ذلك بما يقدره الله ويقضيه، ولكن قد يختلف نوع الإجابة بحسب ما تقتضيه حكمة الله تعالى سبحانه، لذا فتضرعك إلى الله ودعاؤك وتقربك إليه وانطراحك بين يديه، من أفضل القربات وأجل الطاعات، فأكثري منها واستمري عليها، ولا تيأسي من الاستجابة، فإن الله سبحانه كريم عظيم يستحي أن يرد يدي عبده صفرا، وربما أخر الله الإجابة لحكمة يعلمها سبحانه. وما يصيب أهلك من حزن، هو ابتلاء واختبار لرفع الدرجات وتمحيص السيئات، فليصبروا وليحتسبوا الأجر، ولا يتسخطوا أقدار الله سبحانه، وكلما تأخرت الإجابة بالفرج، مع الصبر والاحتساب، كلما زاد الأجر والثواب -إن شاء الله-، وتحصيل رضى الله للعبد يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه، والقرب منه والرضى بمناجاته والفرح بعبادته، فإذا كان الإنسان كذلك، فهذا علامة على رضى الله عنه. وإلحاحك بالدعاء والتضرع إلى الله، مع حسن الظن به، والثقة بما عنده، تعتبر عبادة له سبحانه، وليس في ذلك استعجال، فالاستعجال هو أن يدعو العبد ربه ثم يترك ويقول دعوت ولم يستجب لي، أما من يستمر ويلح على الله بالدعاء، فهذا يدل على قوة تعلقه بالله سبحانه. – ولكي يستجاب دعاؤك فعليك بتحقيق شروط استجابة الدعاء،
1- الإخلاص لله سبحانه.
2- البعد عن أكل الحرام.
3- البعد عن الدعاء بأثم أو قطيعة رحم.
4- الإلحاح على الله بالدعاء.
5- اختيار أوقات الاستجابة للدعاء: كالثلث الأخير، وفي السجود، وعند الإفطار للصائم، وبين الأذان والإقامة، وعند نزول الغيث ونحوها.
6- عدم الاستعجال في الدعاء.
7- حسن الظن بالله وكمال الثقة به جل وعلا. بالإضافة إلى الطهارة ورفع اليدين واستقبال القبلة، وهذه من آداب الدعاء، وفي كل الأحوال ثقي بالله، واستمري في الدعاء والإقبال عليه بحسن الظن فيه، وستجدين أثر ذلك قريبا -بإذن الله-. وفقك الله لما يحب ويرضى، ويسر أمرك واستجاب دعاءك، وأفرحك وأهلك بتحقيق أمنيتك في طاعته.
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ يجب أن تحب الله بكل قلبك، محبة لا يعادلها شيء، يكون الله أحب إليك من كل ما سواه، محبة صادقة تقتضي طاعته وترك معصيته، وحب أوليائه ورسله، وكراهة أعدائه وبغضهم في الله ، فهو يحب الله، قال تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ” آل عمران ” وقال في المؤمنين فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة.
فالواجب أن نحب الله بكل قلوبنا محبة صادقة، وأن بكون الله أحب إلينا مما سواه، قال النبي ﷺ ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فهو يحب الله فوق كل شيء، وأحب من كل شيء، ثم نحب الرسول صلى الله عليه وسلم محبة صادقة بعد محبة الله يحبه في الله؛ لأنه رسول الله، ويحب المؤمنين؛ لأنهم أولياء الله وأحباء الله، ويكره الكافرين ويبغضهم؛ لأنهم أعداء الله، هكذا المؤمن. اغفل الناس من ترك الدنيا قبل أن تتركه وانار قبره قبل أن يسكنه وارضى ربه قبل أن يلقاه وبر والديه قبل أن يفقدهما.