يبدو أن فوزي لقجع قرر هذه المرة أن يلعب مباراة خارج الملعب، وأن يوزّع الأوسمة السياسية بالمجان، فاختار أن يغدق المديح على عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، في وقت يبدو فيه أن الرجل يعيش واحدة من أكثر مراحل الجدل السياسي والقانوني إثارة للانتقاد.
ولقجع، بما له من حضور، كان بإمكانه أن يختار موضوعاً آخر للمديح، لكن يبدو أن البوصلة السياسية قادته إلى وهبي تحديداً؛ وكأن السياسة أصبحت في زمنها الجديد لا تقاس بحجم الإنجاز، وإنما بعدد العبارات المنمقة التي يمكن أن تُقال أمام الكاميرات..! أما وهبي، فقصته مع أهل المهنة التي جاء منها تحتاج إلى فصل خاص.
فالرجل الذي كان بالأمس واحداً من زملاء المحامين، أصبح اليوم، في نظر منتقديه، شديد الحماس في اتخاذ قرارات وإجراءات يعتبرها هؤلاء مجحفة في حق زملاء الأمس. وكأن الانتقال من مقعد المحامي إلى كرسي الوزارة يفرض، في قاموس بعض المسؤولين، تغيير الذاكرة أيضاً..! المفارقة أن المحامي عادةً يدافع عن الناس، بينما الوزير يُفترض أن يدير شؤونهم بالعدل والإنصاف. ولذلك فإن أي قرار يُفهم منه الإذلال أو التضييق أو العقاب الجماعي، لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برجال مهنة يعرفون القانون ويعرفون كيف يقرأون القرارات، وكيف يسألون عن خلفياتها وآثارها. أما المديح السياسي، فليُكثر منه من يشاء. لكن هناك فرقاً بين مدح الأشخاص ومدح السياسات، وبين المجاملة السياسية والشهادة التي يمنحها الواقع نفسه. والسؤال الذي يطرح نفسه على لقجع.
هل يستحق الوزير وهبي كل هذا الاحتفاء فعلاً، أم أن بعض السياسيين أصبحوا يتنافسون على توزيع شهادات حسن السيرة السياسية في الوقت الذي يمنح فيها الشارع شهاداته بطريقة مختلفة تماماً..؟ حين يتحول الغرور السياسي إلى ما يشبه جنون العظمة، يصبح المسؤول أسيراً لصورة صنعها لنفسه، فيتوهم أن صوته فوق النقد، وأن قراراته فوق المحاسبة، وأن تصريحاته يمكن أن تتجاوز حدود السياسة لتلامس ما هو أعمق في وجدان المغاربة. وهنا بالضبط تبدأ حكاية عبد اللطيف وهبي، الذي لم يكتفِ بإثارة الجدل حول أدائه السياسي وتدبيره لوزارة العدل، بل راكم تصريحات ومواقف اعتبرها مغاربة كثيرون مستفزة لمشاعرهم الدينية ولثوابت المجتمع، من العلاقات الرضائية، إلى عقد الزواج، إلى حديثه عن تغيير بعض القواعد والتصورات التي استقرت في المجتمع المغربي. المشكلة ليست في أن يختلف الوزير مع الناس، ولا في أن يدافع عن اجتهادات قانونية أو سياسية؛ فذلك حقه. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى استعلاء على المجتمع، واستفزاز لمشاعر المواطنين، واستخفاف بما يعتبرونه ثوابت دينية وقيمية. فالمغرب ليس مختبراً لتجارب السياسيين، والدين والمقدسات ليستا مادة للمزايدة ولا منصة لإظهار التفوق الفكري أو السياسي. ولعل أخطر ما في ظاهرة وهبي أن الرجل، بدل أن يراجع خطابه كلما اتسعت دائرة الغضب حول تصريحاته، يبدو أحياناً وكأنه يضيف إلى النار حطباً جديداً؛ وكأن السياسة عنده أصبحت مباراة في من يستطيع استفزاز المغاربة أكثر، ومن يستطيع تسجيل أكبر عدد من العناوين المثيرة للجدل. وهكذا صار السؤال مشروعاً: هل نحن أمام وزير يمارس السياسة، أم أمام سياسي أغرته الأضواء حتى صدّق أن الجدل بطولة، وأن الصدام مع المجتمع دليل على القوة..؟
نحن لسنا من قالوا ، بل نحن بجهاز ترونس بريس ننقل ماقالوا
في النهاية، الناس لا تحتاج إلى خطب المديح كي تعرف المسؤول الناجح من المسؤول المثير للجدل. والتاريخ السياسي لا يحتفظ بعدد المرات التي صفق فيها الوزراء لبعضهم، بل يحتفظ بما فعلوه عندما كانت المسؤولية بين أيديهم. أما وهبي، فربما عليه أن يتذكر أن زملاء الأمس ليسوا خصوماً لأنهم انتقدوا قراراته، وأن الاختلاف مع الوزير ليس جريمة، وانتقاد القرار ليس تمرداً، والمهنة التي خرج منها تستحق الاحترام حتى عندما يجلس صاحبها على كرسي الوزارة. ولقجع، بدوره، حرّ في أن يمدح من يشاء… لكن يبدو أن عليه أن يتأكد أولاً هل الجمهور مستعد للتصفيق، أم أن الجماهير اختارت الصمت..؟