قبل أن أفتح دفتر الملاحظات والانتقادات، وقبل أن أضع أصابعي على مكامن الخلل التي تتحدث عنها ساكنة بنسليمان، فإن الإنصاف الصحفي يفرض على مدير جهاز ترونس بريس أن يقول كلمة حق في رجال أثبتوا أن الإدارة العمومية ليست دائماً عنواناً للبيروقراطية والجمود، وأن المسؤول حين يريد أن يشتغل يمكن أن يترك وراءه أثراً يراه المواطن بعينيه.
الحديث هنا عن السيد الفاضل رئيس دائرة بنسليمان، توفيق الرابحي، ورؤساء الملحقات الإدارية التابعة للدائرة، الذين تمكنوا، وفق ما يلمسه المواطنون في أداء مصالحهم، من إعطاء صورة أكثر انتظاماً للإدارة، والقيام بمهامهم الإدارية بروح من الانضباط والحضور. أما السيد توفيق الرابحي، فلم يكتفِ بما هو إداري ومكتبي، بل اختار أن يقول لخصوم رجالات السلطة إن المسؤول يمكنه أن يترك بصمته حتى على الشجر و الحجر والجدران قبل الملفات والمراسلات. فمقر دائرة بنسليمان، الذي كانت وضعيته في السابق لا تعكس، في نظر كثير من المرتفقين، الصورة التي يفترض أن تكون عليها إدارة عمومية، عرف عملية إصلاح وترميم وإعادة ترتيب أعادت إليه شيئاً من هيبته وشكله اللائق. أبواب كانت مشرعة على الفوضى، ومكاتب كانت تحتاج إلى أكثر من مجرد طلاء، ومقر إداري لم يكن يقدم الصورة التي تليق بمؤسسة تستقبل المواطنين تحولت، بعد تدخل رئيس الدائرة، إلى فضاء أكثر جمالاً وتنظيماً وعصريا، بما يجعل المواطن يشعر أنه دخل إلى إدارة عمومية محترمة، لا إلى بناية أنهكها الزمن والإهمال. وهنا بالضبط يظهر الفرق بين المسؤول الذي يكتفي بتدبير الكرسي، والمسؤول الذي يدبر المكان والإنسان والملف معاً. فالمسؤولية ليست فقط توقيع المراسلات وحضور الاجتماعات، وإنما أن ترى العيب فتصلحه، وأن ترى المرفق العمومي في حاجة إلى التأهيل فتتحرك، وأن تفهم أن صورة الإدارة تبدأ أحياناً من بابها ومكتب موظفها ونظافة فضائها قبل أن تصل إلى مضمون خدماتها. ولهذا أقولها بلا تردد في ذلك فليتنافس المتنافسون. فإذا كان إصلاح مقر إداري ممكناً، وإذا كان بالإمكان تحويل فضاء كان لا يشرف الإدارة إلى مقر جميل وعصري يليق بالمواطن والموظف، فلماذا لا تكون هذه الروح قاعدة في باقي مرافق الإقليم..؟ هنا يبدأ السؤال الحقيقي لأن بنسليمان لا ينقصها الرجال والنساء القادرون على الاشتغال، ولا ينقصها الموظفون الذين يعرفون معنى المسؤولية، وإنما ينقصها أن تصبح هذه النماذج قاعدة لا استثناء، وأن تنتقل عدوى الجدية من دائرة إلى أخرى، ومن ملحقة إلى أخرى، ومن مديرية إلى أخرى. وحين نرفع القبعة للسيد الكاتب العام ميمون خويا موح، ولرئيس الدائرة توفيق الرابحي، وللباشوات ولرؤساء الدوائر و الملحقات، فإنني كصخفي لا أفعل ذلك مجاملة لأحد، وإنما لأن الصحافة التي تنتقد حين ترى الخلل مطالبة أيضاً بأن تقول أحسنتم حين ترى العمل. وبعد هذا التنويه المستحق، أعود إلى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه، إذا استطاعت دائرة بنسليمان أن ترتب بيتها، وأن تعيد لمقرها صورته وهيبته، فلماذا لا تستطيع باقي المؤسسات أن ترتب بيوتها أيضاً..؟ وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية أيضاً لانتقاد ومحاسبة المسؤول الذي تبين أنه «لا يهش ولا ينش» ترقبوه