رسالة مفتوحة إلى جلالة الملك

هناوي الهادي8 أكتوبر 2026Last Update :
رسالة مفتوحة إلى جلالة الملك

قادة أحزاب وساسة يتناوبون على ترويض الشعب و تعذيبه يا مولاي

نعم مولاي اعزكم الله، من هذا المنبر ومن موقعي كصحفي يتابع الشأن العام المغربي لعقود، أرفع إلى جلالتكم ومقامكم العالي بالله رسالتي معززة بكلمة تقدير صادقة في حق  خدام اعتابكم أطر ومدراء ورجال السلطة، و على رأسهم الولاة والعمال والكتاب العامون ورجال الإدارة الترابية وأجهزة الأمن ووكلاء الملك ورؤساء المحاكم ومدراء الضرائب ومدراء مكاتب الكهرباء والماء، الذين يشتغلون سواء كانت الحكومة أو لم تكون، يواصلون أداء مهامهم في الميدان، ويعملون تحت سلطة الدولة وفي إطار التوجيهات الملكية السامية. هؤلاء، في نظري، ليسوا مجرد موظفين في الإدارة، بل يمثلون إحدى الواجهات اليومية للدولة، وهم الذين يجدون أنفسهم في مواجهة المواطنين، وفي قلب الأزمات والاحتجاجات والمشاكل الاجتماعية، مطالبين بتطبيق القانون وحماية النظام العام وضمان استمرارية المرافق العمومية. لكن يا جلالة الملك اعزكم الله، هناك مشهد سياسي آخر يستحق أن يوضع تحت المجهر.
فالمواطن المغربي يسمع السياسي صباحاً يهاجم السياسي نفسه الذي كان بالأمس حليفاً له.

ويسمع هذا الحزب يتهم ذاك الحزب بالفساد، ثم يكتشف أن الطرفين قد يجلسان غداً إلى الطاولة نفسها. يسمع خطابات انتخابية حادة، ووعوداً كبيرة، واتهامات متبادلة، ثم تأتي مرحلة ما بعد الانتخابات لتكشف أحياناً فجوة واسعة بين خطاب الأمس وممارسة اليوم.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن للصحافة الجادة أن تهرب منه كيف يتحول من كان جزءاً من منظومة القرار إلى متحدث باسم معاناة المواطن..؟ وكيف يتحول من كان في موقع المسؤولية إلى منقذ سياسي ينتقد حصيلة كان، بشكل أو بآخر، شريكاً في صناعة شروطها..؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحياة السياسية ليس اختلاف الأحزاب، فهذا حق مشروع، وإنما أن يتحول الاختلاف إلى تبادل للأدوار أمام المواطن، بحيث يصبح الفاعل السياسي تارةً في موقع المسؤولية وتارةً في موقع المعارضة، ثم يقدم نفسه في الحالتين باعتباره الطرف الذي يملك وحده مفاتيح الإنقاذ. والمواطن، الذي أنهكته تكاليف الحياة وانتظر نتائج الوعود الانتخابية، يجد نفسه أمام خطاب سياسي متغير باستمرار. حزب ينتقد حزباً، ومسؤول سابق ينتقد مسؤولاً حالياً، وقيادي يحمّل خصمه مسؤولية حصيلة شارك فيها أو دافع عنها في مرحلة سابقة.

 

وهكذا يصبح المواطن، في بعض الحالات والاستحقاقات، هواة و وموضوع انتخابي و ضحية يبتزه قائد الحزب وحماية 160مليون مقابل التزكية خير دليل على ان الامين تحول إلى بزناس بدل امين عام وزعيم مناضل وشريك في القرار. ولا أقول هذا تعميماً على جميع السياسيين، ولا أنصب نفسي قاضيا على الأحزاب، فذلك من اختصاص المؤسسات الدستورية والقضاء والهيئات المختصة. لكنني أقول إن الصحافة مطالبة بأن تسأل، وأن تقارن بين التصريحات والمواقف والممارسة، وأن تضع أمام الرأي العام الفارق بين ما قيل قبل الانتخابات وما قيل بعدها، وبين الوعود والنتائج، وبين المسؤولية والمعارضة.
نعم مولاي اعزكم الله، جلالة الملك/
لقد أثبتت  مملكتنا، عبر مؤسساتها، أن الإدارة الترابية ورجال السلطة يشتغلون يومياً في الميدان بعيداً عن أضواء الحملات الانتخابية. ولذلك فإن ترونس بريس ترى أن من واجبها المهني أن تنصف كل رجل سلطة يؤدي مهمته بإخلاص، كما أن من واجبها، بالقدر نفسه، أن تراقب أداء المنتخبين والأحزاب والحكومات، وأن تسائلهم عن حصيلة تدبيرهم، دون انتقائية ودون حسابات حزبية.
فإذا كان السياسيون يتنافسون على تمثيل الشعب، فإن الصحافة تتولى مساءلتهم باسم الشعب.
وإذا كان السياسي يملك المنبر ليدافع عن نفسه، فإن المواطن يحتاج إلى من يضع أمامه الوقائع والسياقات والتناقضات حتى يستطيع أن يحكم بنفسه.
ومن هنا تعلن ترونس بريس أنها ستواصل فتح الملفات السياسية والإدارية والاجتماعية، لا بحثاً عن تصفية الحسابات، ولا دفاعاً عن هذا الحزب أو ذاك، وإنما دفاعاً عن حق المواطن في معرفة الحقيقة كاملة، وعن حق الدولة ومؤسساتها في أن تُقيَّم بموضوعية، وعن حق رجال السلطة الذين يعملون في الميدان في أن يُنصفوا حين يؤدون واجبهم.
فلا قداسة للسياسي أمام النقد، ولا حصانة للخطاب الانتخابي أمام السؤال الصحفي، ولا ينبغي أن يتحول المواطن إلى مجرد ورقة انتخابية تُستعمل عند الاقتراع ثم تُنسى بعد إغلاق الصناديق.
وتبقى الكلمة الأخيرة للمؤسسات، وللقانون، وللشعب الذي يملك، في النهاية، حق تقييم من يتحدث باسمه.
حفظ الله جلالة الملك، وحفظ الله بلدنا المغرب.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News