العدالة الضريبية إلى أين..؟؟

هناوي الهادي23 فبراير 2026Last Update :
العدالة الضريبية إلى أين..؟؟

رجال السلطة، من ولاة وعمال وكتاب عامين، يؤدون ما عليهم من ضرائب باقتطاعات مباشرة من رواتبهم، دون تأخير أو جدل. المقاولون والمنعشون العقاريون، وأطر وزارة المالية، وأصحاب المؤسسات الكبرى والمتوسطة والصغرى، يساهمون بدورهم في تمويل خزينة الدولة، إدراكًا منهم أن الضريبة واجب وطني قبل أن تكون التزامًا قانونيًا.
لكن الصورة تكتمل بنشاز صارخ حين يتعلق الأمر ببعض من يفترض فيهم أن يكونوا قدوة. كيف يُعقل أن يطالب رئيس مؤسسة تشريعية المواطنين بأداء ما عليهم، بينما يُثار حوله الجدل بشأن مستحقات ضريبية لم تُسوَّ بعد؟ أليس المنتخب، مهما علا منصبه، مجرد خادم للشأن العام، وملزم قبل غيره باحترام القانون؟ هنا تبدأ الحكاية… وهنا يطرح سؤال العدالة الضريبية نفسه بإلحاح.

العدالة الضريبية حين يدفع المواطن الثمن ويتوارى “الكبار” خلف الشعارات.

ليست العدالة الضريبية مجرد مفهوم تقني يُتداول في تقارير وزارة الاقتصاد، ولا بندًا يُدرج في قوانين المالية السنوية، بل هي جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. هي الثقة المتبادلة التي تجعل المواطن يؤدي ما عليه طواعية، وهو مطمئن أن الجميع، دون استثناء، يخضعون لنفس القواعد. وبوصفي صحفيًا عاين عن قرب تفاصيل المنظومة الجبائية، أعرف حق المعرفة أن داخل مديريات الضرائب أطرًا تشتغل بضمير حي، بروح وطنية عالية، وبغيرة صادقة على المال العام. رجال ونساء يسهرون على تطبيق القانون، ويواجهون ضغوطات وتعقيدات يومية، هدفهم أن تستقيم المعادلة وأن تُحصّل الدولة مستحقاتها لخدمة الصالح العام. كما أن الغالبية الساحقة من المواطنين، رغم ضيق الحال ووطأة الغلاء، يؤدون ما عليهم من ضرائب. يدفع الأجير اقتطاعاته قبل أن يتسلم راتبه، ويسدد التاجر الصغير مستحقاته خوفًا من المتابعة، ويتحمل المهني عبء المساهمات وهو يمني النفس بخدمات عمومية أفضل.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين هي العدالة حين يتعلق الأمر ببعض رموز الفساد؟ كيف يُطلب من المواطن البسيط الامتثال الصارم، بينما تحوم شبهات التهرب أو التملص حول أسماء وازنة في دوائر القرار؟
حين يُتداول في الرأي العام أن شخصية سياسية بين ضفرين بحجم رشيد الطالبي العلمي لا تزال بذمته مبالغ ضريبية ضخمة  تُقدّر،   بمليار و 300 مليون سنتيم – فإن الأمر لا يتعلق برقم فقط، بل بصورة مؤسسات وبمصداقية خطاب رسمي يتحدث صباح مساء عن “العدالة الضريبية” و“ربط المسؤولية بالمحاسبة”. لا أحد فوق القانون، هكذا ينص الدستور، وهكذا يجب أن يكون التطبيق. أما أن يتحول الحديث عن العدالة إلى مجرد لازمة خطابية، بينما يستفيد البعض من النفوذ أو التعقيدات الإجرائية أو طول المساطر، فذلك يضرب في العمق ثقة المواطن في المنظومة برمتها العدالة الضريبية لا تتحقق بتشديد المراقبة على الصغار فقط، ولا بإصدار بلاغات مطمئنة، بل بإرادة سياسية واضحة افتحوا الملفات، طبقوا القانون، وانشروا المعطيات بشفافية. فالدولة القوية لا تُخيفها المحاسبة، بل تتقوى بها. إن الدفاع عن الإدارة الجبائية النزيهة يمر أولًا عبر حمايتها من ازدواجية المعايير. فالموظف الذي يسهر على تحصيل درهم من مقاولة صغيرة، من حقه أن يرى القانون نفسه يُطبق على أصحاب الملايير، وعلى المسؤولين الذين يتحدثون عن النزاهة في المنابر، بينما تتضخم الأرقام في الكواليس. العدالة الضريبية ليست شعارًا يُرفع في الحملات الانتخابية، بل امتحان يومي لصدق الدولة. إما أن يكون الجميع أمام القانون سواء، أو نفقد أهم رأسمال في أي إصلاح: الثقة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News