محاربة الفساد بين الشعار المرفوع والواقع المرفوع عنه القلم

هناوي الهادي22 فبراير 2026Last Update :
محاربة الفساد بين الشعار المرفوع والواقع المرفوع عنه القلم

منذ سنوات، تحولت “محاربة الفساد” إلى أسطوانة مشروخة تُعاد في كل موسم انتخابي، وتُرفع كشعار براق في البرامج الحكومية، قبل أن تُركن في الرف بمجرد الجلوس على كراسي المسؤولية. كل حكومة جاءت رفعت اللواء، وتعهدت بتجفيف المنابع، وقطعت وعودًا بحماية المال العام، لكن السؤال ظل معلقًا من سيحارب من..؟ ومن يملك الجرأة ليحاكم منظومة تتغذى من نفسها..؟
في عهد حكومة عزيز أخنوش، عاد الشعار ذاته بقوة، مصحوبًا بخطاب إصلاحي يُبشر بمرحلة جديدة. غير أن الممارسة كشفت تناقضات صارخة، أبرزها ما ارتبط بوزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي تحوّل من معارض شرس يتهم خصومه ويطالب باسترجاع “المليارات المنهوبة”، إلى مدافع شرس عن نفس المنظومة بعد دخوله الحكومة.

قبل الاستوزار، كان وهبي يلوّح بملفات ثقيلة، ويتحدث عن ضرورة استرجاع الأموال، بل واتهم رئيس الحكومة بضرورة توضيح ما راج حول “17 مليار”. لكن بعد توليه حقيبة العدل، تبدّل الخطاب، وتغيّرت الأولويات، وسُحب مشروع تجريم الإثراء غير المشروع، وهو أحد أهم الآليات القانونية لمكافحة الفساد.

بل أكثر من ذلك، تم تقييد دور جمعيات المجتمع المدني في التبليغ عن جرائم المال العام، ما اعتبره كثيرون تراجعًا مقلقًا عن مكتسبات دستورية. المفارقة لا تقف هنا ذات الوزير وجد نفسه في سلسلة من الاصطدامات مع القضاة، مع المحامين، مع العدول، مع كتاب الضبط، وحتى مع الصحفيين الذين طالتهم متابعات قضائية أثارت جدلاً واسعًا حول حرية التعبير. وبين هذا وذاك، سجلت عليه أرقام قياسية في الأسفار، في وقت كان يُفترض فيه أن يكون ورش العدالة ومكافحة الفساد أولوية الأولويات. فكيف يمكن الحديث عن تخليق الحياة العامة في ظل سحب آليات قانونية أساسية لمحاربة الإثراء غير المشروع..؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بجدية الإصلاح، بينما تُغلق أبواب التبليغ وتُفتح أبواب الصدام مع الفاعلين في قطاع العدالة والإعلام…؟
محاربة الفساد ليست شعارًا يُرفع في الحملات، بل منظومة متكاملة قوانين زجرية واضحة، استقلال حقيقي للنيابة العامة، حماية للمبلغين، تمكين للمجتمع المدني، شفافية في الصفقات العمومية، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة. دون ذلك، يبقى الحديث مجرد خطاب سياسي للاستهلاك. الجرأة الحقيقية لا تكمن في إطلاق الاتهامات من مقاعد المعارضة، بل في ترجمتها إلى قوانين وإجراءات حين تتوفر السلطة. والاختبار الصعب لأي مسؤول هو هل يحاسب من كانوا بالأمس حلفاء..؟ وهل يفتح الملفات حين تمس الدائرة القريبة…؟ المغاربة اليوم لا ينتظرون خطبًا جديدة، بل ينتظرون أفعالاً واضحة استرجاع المال العام، محاكمات عادلة وشفافة، وقوانين لا تُفصّل على مقاس أحد. فمحاربة الفساد ليست معركة ضد أشباح، بل مواجهة مع شبكات مصالح حقيقية، تحتاج إلى إرادة سياسية صلبة، لا إلى أسطوانة مشروخة تُعاد كل خمس سنوات.
ويبقى السؤال الذي يؤرق الرأي العام من يملك الجرأة. .؟؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News