في زمنٍ تتعالى فيه أصوات النباح والنعيق، ويتبارى بعض خصوم المملكة في توزيع دروس الوطنية من خلف الحدود، يصرّ جار السوء على التٱمر والافتراء واجترار أسطوانة مشروخة المغرب «مُطبّع» مع إسرائيل. وكأنها تهمة تُلقى، لا خيار سيادي تتخذه دولة ضاربة في التاريخ، تعرف مصالحها وتزن قراراتها بميزان الدبلوماسية والذكاء والحكمة.
إلى من يتشدقون بالشعارات الجوفاء التطبيع الذي اختارته المملكة لم يكن انزلاقًا عابرًا، بل قرارًا سياديًا يخدم مصالح الوطن، ويكرّس موقعه الاستراتيجي. المغرب لم يكن يومًا رهينة مزايدات أيديولوجية، بل كان دائمًا وفيًا لعمقه الحضاري، حيث تعايش المسلم واليهودي والمسيحي قرونًا تحت سقف واحد.

العلاقة بين المغرب ويهوده ليست صفقة سياسية عابرة، بل امتداد لذاكرة مشتركة وهوية متجذرة.
ولمن يجهل التاريخ أو يتجاهله عمدًا، فإن جلّ اليهود الذين يشغلون مواقع تأثير في العالم هم من أصول مغربية، يحملون في وجدانهم حنينًا لا ينقطع إلى أرض الأجداد. من بين هؤلاء الحاخام المغربي دافيد بينتو، الأب الروحي لـ جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. داڤيد بينتو تعود جذور عائلته إلى سوس، تحديدًا إلى أكادير، قبل أن تستقر بالصويرة إثر التحولات التي عرفتها المنطقة في القرن الثامن عشر. هذه العائلات، مثل أزولاي وأفرياط وغيرها، كانت جزءًا من النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمغرب، ولا تزال.

في اللحظات الأخيرة من الولاية الأولى لترامب، قال الحاخام دڤيد لكوشنر كلمةً مقتضبة حملت أثرًا بالغًا وهي «لا تنسَ المغرب». عبارة تختزل عمق الروابط وصدق الانتماء. بعدها جاء الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، في سياق تحرك دبلوماسي مغربي نشيط، لم يكن وليد صدفة، بل نتيجة تراكم علاقات وثقة متبادلة.
وليس خافيًا أن الحاخام بينتو يحرص سنويًا على تنظيم زيارات مئات اليهود، خصوصًا من الولايات المتحدة وفرنسا، إلى المغرب، وبالذات إلى الصويرة لزيارة ضريح الحاخام حاييم بينتو، أحد أجداده المولود بأكادير.

هذه الزيارات ليست مجرد طقوس دينية، بل جسور إنسانية واقتصادية وسياسية تعزز صورة المغرب كأرض تسامح وانفتاح. القرارات الدولية لا تُنتزع بالشعارات، بل تُبنى عبر شبكة علاقات مؤثرة، ورؤية استراتيجية واضحة. هذه هي خصوصية اليهود المغاربة لا ينسون وطنهم، ويظلون سفراء له حيثما حلّوا. ومن يراهن على القطيعة والعزلة، سيبقى أسير خطاب متخشب لا ينتج إلا مزيدًا من الإخفاق. وللتاريخ شواهده أيضًا. فمنذ قرون، لعبت العائلات اليهودية السوسية دورًا مهمًا في التجارة الصحراوية، وكانت على معرفة دقيقة بامتدادها الجغرافي والقبلي. وعندما جاب المستكشف الفرنسي شارل دو فوكو المغرب والصحراء الكبرى سنة 1882، كان دليله يهوديًا سوسيًا هو مردخاي أبي سرور، أحد أبناء العائلات العريقة في سوس. شهادة أخرى على عمق حضورهم في تاريخ المنطقة. المملكة الشريفة كبيرة
والمغرب لا يحتاج إلى صكوك غفران من أحد. سيادته ليست موضوع نقاش في أبواق الدعاية، وخياراته تُتخذ في الرباط لا في العواصم التي اعتادت تصدير الأزمات. من أراد فهم المغرب، فليقرأ تاريخه جيدًا؛ ومن عجز عن ذلك، فليعلم أن ما خفي أعظم.










