عندما يصبح الوطن “عدوا وخصما” في خطابات خونة الداخل؛ تتسامح معهم الحكومة وتتحول إلى أعظم منتِج للبؤس والفقر وللاحتجاج بدل محاربة الفقر ومحاربة خونة المملكة المغربية
يُجمع خصوم الوطن في الداخل، من اليسار المتطرف إلى جماعة العدل والإحسان إلى عبدة ايران، على وصف المغرب بـ“البلد المطبع” و“الخائن”، وكأن الوطنية تُقاس من طهران خارج الحدود، أو تُمنح بصكوك أيديولوجية مستوردة. هؤلاء لا يرون في المغرب سوى مادة للشيطنة، ولا في مؤسساته سوى أهداف للرمي المجاني، بينما يتناسون عن عمد أن الدولة تُدار بالمصالح العليا لا بالشعارات، وبالاستمرارية لا بالتهريج والتطبيل السياسي. لكن المفارقة المؤلمة أن حكومة عزيز أخنوش، التي لم يحتج خونة الداخل و أعداء الوطن إلى كثير جهد لمهاجمتها، تكفلت وحدها وبكفاءة نادرة بتوسيع رقعة الغضب الاجتماعي، حتى أصبحت أول حكومة في تاريخ المغرب، منذ الاستقلال، تحظى بإجماع شعبي واحد هو الغضب و الكراهية. إجماع سلبي لم تعرفه أي تجربة حكومية سابقة، مهما بلغت إخفاقاتها و سلبياتها.
بهذه الحكومة باستثناء وزير الخارجية المحترم ناصر بوريطة، الذي نجح في مهامه و حافظ على منسوب من الاحترام المرتبط بالدبلوماسية السيادية، ووزير الداخلية المحترم عبد الوافي لفتيت، الذي يُنظر إليه كرجل دولة لا كرجل صفقات، غير هذا الثنائي يرى الشارع المغربي باقي الوزراء كأنهم غرباء عن هموم الوطن، أو وكلاء مصالح خاصة لا علاقة لها بالمواطن، الذي تحول إلى آخر شيء يفكرون فيه كبند في جدول أعمالهم إن وُجد أصلاً.
إنجازات جماعة أخنوش منذ استلامها الحكومة كثيرة و القائمة طويلة في الاتجاه المعاكس. نكتفي في هذه الافتتاحية بالتركيز على أهمها كغلاء الأسعار الذي بلغ في عهد اخنوش مستويات غير مسبوقة اللحم في عهده انتقل من 55 درهمًا إلى 100 درهم، والبيض من 16 ريال إلى درهم و 50 سنتيم، والدجاج والسمك والخضر والفواكه والسكر والزيت والحليب والمحروقات؛ الأمثلة أكثر من أن تُحصى، لأن جيوب المغاربة أصبحت دفتر الإحصاء الحقيقي. البطالة وسط الشباب ارتفعت إلى 35.8%، وكأن الشهادة الجامعية أصبحت وثيقة انتظار لا جسر عبور نحو العمل إفلاس الشركات يسير بوتيرة قياسية، مع توقعات بسقوط أكثر من 40 ألف شركة في سنة واحدة، في بلد يُفترض أنه يشجع الاستثمار لا يدفنه.
منذ زلزال الحوز في شتنبر 2023، ما زالت أسر مغربية تعيش في الخيام، في مشهد يُحرج التاريخ قبل الحكومة، ويطرح سؤال الكرامة قبل سؤال الميزانيات. الاحتجاجات الاجتماعية لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل تحولت إلى روتين يومي في المدن والقرى، وحتى في “المغرب المنسي”، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. قطاع الصحة يشهد أسوأ تراجع له منذ الاستقلال؛ ٱلاف الوفيات بسبب غياب ظروف التطبيب، وغلاء العلاج وارتفاع أسعار الأدوية، وكأن المرض أصبح «لوكس» وامتيازًا طبقياً.
ولأول مرة تتحول الحكومة إلى ما يشبه إقطاعيات وزارية وزراء ينفردون بقطاعاتهم، يربحون الصفقات، ويحوّلون المال العام إلى شركات خاصة في ملكيتهم أو ملكية محيطهم، دون حرج أو مساءلة؛ برنامج حكومي لم يتحقق منه حتى 20%، بينما تحوّل المغرب إلى فضاء مفتوح للاحتجاج الاجتماعي، نتيجة الغلاء، والبطالة، وأزمة السكن، وتدهور الخدمات. أما السياسة الجبائية، فحدّث ولا حرج؛ تخفيض الضرائب على الشركات الكبرى من 31% إلى 20%، ورفعها على المقاولات الصغيرة من 10% إلى 20%، في خدمة واضحة للرأسمال الكبير، وعلى حساب الفئات الهشة الفقيرة والمتوسطة. الإنجازات كثيرة وكبيرة ومؤلمة. نحتاج إلى وقت طويل لسردها، وربما إلى كتب عديدة، لا إلى افتتاحية واحدة او كتاب واحد فقط حتى لو كان صاحبه رئيس الحكومة نفسه وفي النهاية، قد يختلف المغاربة مع خصوم الوطن في الشعارات، لكن حكومة أخنوش نجحت بامتياز في توحيدهم على شيء واحد وهو الإحباط، واليأس والغضب، والشعور بأن المواطن لم يعد أولوية. في بلدي المغرب الدولة تشتغل، وجلالة الملك يشتغل، وخدام الدولة. ولاة وعمال وكتاب عامين وقواد يشتغلون والحكومة المتطفلة على السياسة وتدبير شأن الوطن تحتج على نفسها
بينما يتسابق أعداء الانتماء للوطن بالداخل، من اليسار المتطرف إلى جماعة العدل والإحسان، على نعت المغرب بـ“البلد المطبع” و“الخائن”، وكأن الوطنية تُقاس بعدد الشعارات الصاخبة لا بصلابة الدولة، يغفل هؤلاء أو يتغافلون عن حقيقة واحدة راسخة وهي أن هذا الوطن لم يكن يومًا دولة فاشلة، بل دولة تُنقَذ يوميًا من فشل السياسيين. في المغرب، جلالة الملك يشتغل بلا ضجيج، يفتح الأوراش، يواجه الأزمات، ويقود الدولة في محيط دولي ملتهب بحكمة وثبات. وفي المغرب ولاة وعمال وكتاب عامون يسابقون الزمن، وأجهزة أمنية وشرطة ودرك تسهر ليلًا ونهارًا، ووكلاء ملك ورؤساء محاكم يعملون بتفان ونكران للذات يتحملون ضغطًا يوميًا لحفظ النظام والحقوق، دون خطابات ولا منشورات فيسبوكية.
وفي بلدي المغرب أيضًا، رياضيون رفعوا العلم المغربي في كل القارات، وأعادوا للوطن هيبته في الملاعب الدولية، حيث عجزت السياسة ونجحت الإرادة. ورجال مال وأعمال شرفاء يضخّون استثماراتهم في الاقتصاد الوطني، في البناء والتعمير و الفلاحة، والصناعة، والخدمات، بعيدًا عن السياسة، وبعيدًا عن “ريع الحكومة”، وبقرب حقيقي من الوطن. الدولة تشتغل لكن حكومة عزيز أخنوش، أول حكومة في تاريخ المغرب الحديث تنجح في صناعة إجماع شعبي واحد أكرر مرة أخرى هو الرفض والغضب الجماعي
ليس لأنها اتخذت قرارات شجاعة، بل لأنها أتقنت فن تحويل الحياة اليومية للمغاربة إلى سلسلة من الاختبارات القاسية في الصبر والتحمل. كأن الحكومة قررت محاربة المواطن وقدرته الشرائية باعتبارها خطرًا على الاستقرار. في عهد أخنوش ومجموعته ما زال بعض المتضررين يعيشون في الخيام، لا لأن الدولة غائبة، بل لأن التنزيل الحكومي متهلف وبطيء، مرتبك، ومحصن ضد الإحراج.
الاحتجاجات الاجتماعية أصبحت القاسم المشترك بين المدن والبوادي، في المغرب النافع والمغرب المنسي، في مشهد لم تصنعه المعارضة ولا “الأيادي الخارجية”، بل صنعته سياسات لا ترى في المواطن سوى رقم انتخابي انتهت صلاحيته. قطاع الصحة، أكرر دخل مرحلة العناية المركزة وفيات بسبب غياب شروط التطبيب، غلاء الدواء و العلاج، وارتفاع أسعار الأدوية حتى صار المرض نفسه ترفًا. ولأول مرة، نعيش تجربة حكومة الإقطاع الحديث؛ وزراء بوزاراتهم و صفقاتهم، وشركاتهم، أصبح
المال العام يدور في حلقة مغلقة، تبدأ من القرار وتنتهي في الحساب البنكي دون المرور عبر المصلحة العامة. برنامج حكومي لم يتحقق منه حتى 20%، لكن تم تحقيق 100% من الغضب الاجتماعي والتفقير والبؤس.
تخفيض الضرائب عن الشركات الكبرى، ورفعها على المقاولات الصغيرة، في تطبيق حرفي لشعار “الرأسمال الخاص ومصالحنا أولًا وللمواطن الفتات لاحقًا إن بقي”.
وهنا، لا بد من التذكير بما يقوله الدستور وما يطالب به الشارع في المغرب، الملك يُحاسَب بالتاريخ ة
الدولة تُحاسَب بالاستمرارية.
أما الحكومة، فتُحاسَب سياسيًا ودستوريًا لا بالتصفيق ولا بالصمت. والمحاسبة ليست شتيمة، والمساءلة ليست خيانة، والنقد ليس مؤامرة. الخطر الحقيقي على الوطن ليس من يرفع صوته دفاعًا عن كرامة المواطن بل من يحتمي بالمؤسسات ليغطي فشله، ومن يخلط بين خدمة الدولة وخدمة الذات. في بلدي المغرب الوطن والانتماء والهوية أكبر من السياسيين والحكومة، والدولة أعمق من الوزراء التافهين العابرين، وجلالة الملك نصره الله كما كان دائمًا فوق الجميع وفوق الحسابات، لكن السياسة يجب أن تُحاسَب. في بلدي المغرب أكرر الدولة تعمل بنظام الطوارئ، والحكومة تعمل بنظام “ النفاف و السنطيحة والصور التذكارية” في الوقت الذي ما زال فيه أعيد التذكير أعداء الوطن، من اليسار المتطرف إلى جماعة الاعدل ولا إحسان، يوزّعون شهادات الوطنية من خارج السياق والتاريخ، ويصفون المغرب بـ“البلد المطبع” و“الخائن”، يبدو المشهد الداخلي أكثر عبثية؛ الدولة تُنقذ ما يمكن إنقاذه والحكومة تُنقذ ما يمكن تصويره. جلالة الملك نصره الله أكرر يشتغل بمنطق الدولة العميقة رؤية، استمرارية، وتحمل كلفة القرار. أعيد بفخر واعتزاز أن الشرفاء من الولاة والعمال والكتاب العامون في الميدان، القوات المسلحة الملكية و أجهزة المخابرات والأمن والشرطة والدرك في الصفوف الأمامية، القضاء يتحمل ضغط الملفات، والسلطة تُمسك البلاد من حافتها كي لا تنزلق. الرياضيون يرفعون العلم المغربي في كل القارات، ويُراكمون المجد في زمن القحط السياسي. رجال مال وأعمال شرفاء يشتغلون بصمت، يخلقون الثروة، ويوفرون مناصب الشغل، دون أن يحتاجوا إلى حقيبة وزارية ولا بلاغ حكومي. ثم تأتي حكومة عزيز أخنوش وهي التجربة السياسية الوحيدة التي نجحت في جعل المواطن يحنّ حتى إلى البلاغات الغامضة للحكومات السابقة في عهد الراحل الحسن الثاني الملك العبقري والعظيم. لماذا يحن للماضي لأن الحكومة
الحالية أتقنت إنتاج العبث والغلاء ولم تُنتج التنمية والتقدم والأمل،
لم تُشغّل الشباب، لكنها شغّلت الاحتجاجات. لم تُصلح الصحة، لكنها رفعت كلفة المرض. ولم تُنجز البرنامج، لكنها أنجزت الغضب.
اللحم صار حلمًا بروتينيًا البيض انتقل من “قوت الفقراء” إلى “سلعة حساسة” والقدرة الشرائية أُدرجت ضمن لائحة الأنواع المهددة بالانقراض. أكرر ما أسلفت ذكره 35.8% بطالة في صفوف الشباب 40 ألف شركة مهددة بالإفلاس،
وساكنة الحوز ما زالت تنتظر سقفًا يقيها المطر والبرد،
لكن الحكومة ما زالت تبحث عن صيغة لغوية مناسبة لكلمة “التأخر” قطاع الصحة دخل غرفة الإنعاش بلا طبيب مناوب وفيات، خصاص، غلاء أدوية حتى صار المواطن مطالبًا أولًا بالشفاء، ثم بالبحث عن علاج. أما الإبداع الأكبر، فهو اختراع حكومة الإقطاع العصري وزير يشرّع، وزير يقرّر،
وزير يربح الصفقة، وزير يحوّل المال العام إلى “استثمار خاص”،
ثم يخرج علينا بوجه بارد بلا حياء ليحدثنا عن “النمو” و“الثقة”. وهنا نصل إلى الفقرة التي لا تحبها الأحزاب لكنها تستحقها حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة عزيز أخنوش، لم يعد حزبًا سياسيًا بقدر ما أصبح شركة تدبير حكومي، عنوانها تضارب المصالح، ومقرّها القرار العمومي حزب الأصالة والمعاصرة الذي وعد يومًا بالحداثة، انتهى إلى دور الكومبارس الصامت، يصفق حيث يجب التصفيق، ويصمت حيث يجب الكلام وحزب الاستقلال، بتاريخ ثقيل ورمزية وطنية، اختار للأسف أن يكون شاهد زور داخل أغلبية لا تؤمن إلا بالأرقام أرقام الأرباح.
قيادات سياسية تحوّلت إلى مديري علاقات عامة للحكومة،
ونخب حزبية استبدلت التأطير بالصمت والمعارضة بين ضفرين تسعى القرب من اخنوش بين من يحتج بخجل، ومن ينتظر دوره في “التناوب على الغنيمة”.
لكن، رغم هذا العبث، هناك خط أحمر واضح وهو أن المغرب ليس حكومة بل المغرب دولة و ملكية ضاربة في التاريخ. أكرر ما قلته آعلاه جلالة الملك نصره الله وشافاه يشتغل دولته صامدة
ومؤسسات الجيش وكل اجهزة الأمن ومديريات الضرائب و الكهرباء والماء ONEE والتجهيز والفلاحة كل إدارة تؤدي وظيفتها، لكن السياسة يجب أن تُحاسَب. والمحاسبة ليست تهديدًا للاستقرار بل شرطه الأساسي.
والمسؤولية الدستورية ليست شعارًا كما أسلفت، بل التزامًا أمام شعب لم يعد يطلب المستحيل،
بل فقط غلاء معقول وكرامة أكثر،
وحكومة تشبه الوطن لا تشبه حساباتها البنكية في بلدي المغرب الدولة أقوى من الفشل،
لكن صبر المواطن ليس بلا حدود.










