
حين يدخل قانون المسطرة الجنائية حيّز التنفيذ تعود الدولة لتذكير الجميع بمن يملك الكلمة الفصل اليوم، ومع دخول قانون المسطرة الجنائية الجديد حيّز التنفيذ، لا يتعلق الأمر بمجرد تعديل تشريعي يُضاف إلى رفوف الجريدة الرسمية. ما حدث هو إعلان صريح عن مرحلة جديدة تُعيد ضبط ميزان السلطة داخل الدولة، وتضع القضاء مجدداً في مكانه الطبيعي، كمؤسسة سيادية مستقلة، لا سلطان عليها إلا سلطان القاضي الأول للبلاد، هو جلالة الملك محمد السادس نصره الله، ففي بلد تُبنى فيه الإصلاحات من أعلى هرم الدولة، لا يمكن قراءة هذا القانون خارج السياق الملكي الواضح، وعليه
تحديث العدالة ليس خياراً سياسياً للحكومة او للوزير، بل قرار استراتيجي للمؤسسة الملكية ذات الولاية الدستورية على السلطة القضائية. ولذلك، فكل من يحاول اليوم توظيف النقاش القانوني أو الحقوقي لتصفية حسابات سياسية أو لتغذية خطاب المزايدات الشعبوية، سيفتقد الأرضية التي يقف عليها. لأن جوهر الإصلاح واضح، القضاء في المغرب ليس ميداناً للتجاذبات، ولا ملحقاً لأي سلطة كيفما كانت. القضاء سلطة قائمة الذات، يرأسها جلالة الملك، وتعمل وفق منطق الدستور وليس، ولن تكون، رهينة أي نفوذ سياسي أو إداري. القانون الجديد صدمة إيجابية لمن اعتادوا الفوضى، هذا القانون الضخم الذي يقلب قواعد الإجراء الجنائي، لا يخاطب فقط المؤسسات، بل يوجّه رسالة مباشرة لمن اعتادوا الاتكاء على ثغرات المساطر أو على دهاليز النفوذ. إذ يرسّخ، إلزامية احترام حقوق الدفاع منذ اللحظة الأولى، تقليص سلطة الاعتقال الاحتياطي التي طالما أسيء استعمالها، حماية المشتبه فيهم من التعسف، وفي الوقت ذاته حماية الضحايا من الإهمال والانتظار العبثي. محاكمات داخل آجال معقولة لا تسمح بالتلاعب أو الابتزاز, رقابة صارمة على الضابطة القضائية. إنه ليس قانوناً لإرضاء المنتظمات الحقوقية، بل هو فصل جديد من رؤية ملكية تريد قضاءً فعالاً، شفافاً، وذا سلطة رادعة دون ظلم، وضامنة دون تراخٍ، استقلال القضاء ليس امتيازاً بل واجب دولة، حين يؤكد الدستور أن جلالة الملك نصره الله هو الضامن لاستقلال القضاء، فإن تنزيل هذا المبدأ عبر قانون المسطرة الجنائية الجديد يُسقط أي أوهام حول إمكانية التأثير أو الضغط أو التوجيه الظلّي، القضاة والقاضيات اليوم، مع هذا القانون، مسنودون بترسانة قانونية تجعلهم في موقع قوة، وتمنحهم استقلالاً فعلياً لا لفظياً. ولذلك، فإن كل من يراهن على ” الهواتف” و “التدخلات” أو “الاتصالات” أو “الوساطات” سيكتشف أن المغرب يتحول تدريجياً إلى فضاء قانوني منضبط، حيث تتراجع مساحة الفوضى، وتتقدم سلطة القانون.
اختم افتتاحية هذا الصباح بأن دولة الحق ليست شعاراً بل بناء سياسي بثمن، إن دخول هذا القانون حيّز التنفيذ هو خطوة في ورش إصلاحي ملكي عميق يتجاوز الأشخاص والحكومات والولايات التشريعية وهو إعلان عن مغرب جديد يربط المسار التنموي بمنظومة عدالة قوية، إدراكاً بأن الاستثمار، والأمن، وصورة الدولة، كلها تبدأ من قاعة المحكمة. وبهذا المعنى، يمكن القول إن المغرب اليوم يبعث رسالة حاسمة،
القانون فوق الجميع والقضاء مستقل، والضامن هو الملك. ومن كان يعتقد أن زمن المساطر الفضفاضة مستمر فقد تغيّر المشهد.










