
رغم أن قطاع الإنعاش العقاري والمقاولات يُعدّ من أكثر القطاعات دينامية في الاقتصاد الوطني، ورغم أنه يشغّل آلاف الأطر واليد العاملة، ويدرّ مداخيل مهمة للدولة، فإن الغريب هو استمرار التعامل معه وكأنه قطاع ثانوي، في حين أنه في الحقيقة أحد أعمدة التعمير والتنمية الحضَرية، المقاول والمنعش العقاري يقدّمان عملاً ملموساً، بناء واستثمار وخلق فرص الشغل وتحريك الأسواق وتوفير السكن. بينما كثير من المنتخبين والبرلمانيين والأحزاب لا يتركون أثراً مماثلاً على الأرض، باستثناء الخطابات والوعود التي لا تُلزم أحداً، هذا التفاوت في الاهتمام يطرح سؤالاً مشروعاً، لماذا لا تُعامِل الدولة هذا القطاع الحيوي بما يستحقه من تحفيز، مواكبة، وتسهيلات إدارية..؟ الواقع أن بعض المنعشين العقاريين يشتكون من تعقيدات المساطر، البطء الإداري، غياب التحفيزات الجبائية، وضبابية القوانين، في الوقت الذي كان المنتظر هو العكس تماماً. فالدول التي فهمت قيمة التعمير جعلت من المنعش العقاري شريكاً إستراتيجياً، وليس مجرد متعامل يُنظر إليه بريبة. اليوم ومع حاجيات السكن، وضغط الطلب في المدن، وتحديات الهجرة الداخلية، أصبح من الواضح أن إعادة الاعتبار لهذه الفئة ليست خياراً بل ضرورة تنموية، فالاقتصاد الحقيقي يُبنى على الإنتاج، لا على الشعارات.
وعلى الدولة أن تدرك أن المقاول والمنعش العقاري ليسا خصماً، بل قوة منتِجة لا يمكن تجاهل دورها إذا كنا نتحدث فعلاً عن تنمية حقيقية.
لماذا يُعامل المنعش العقاري في وطنه كضيف غير مرغوب فيه..؟ من غير المقبول، وقد أصبح الجميع يدرك وزن قطاع الإنعاش العقاري في الاقتصاد الوطني، أن يستمر تعامل البعض مع المنعشين والمقاولين المحليين وكأنهم عبء يجب تقييده، في حين تُفرش السجادة الحمراء للمستثمر الأجنبي من اللحظة الأولى لدخوله البلاد، الدولة تعلم ولا مجال لإنكار ذلك أن المنعش العقاري المغربي يشغّل الآلاف، ويموّل خزينة الدولة، ويبنــي مدنها، ويحرّك أسواقها، ويخلق القيمة الملموسة التي لا يمكن لخطابات السياسيين ولا ضجيج الأحزاب أن يعوّضها. ومع ذلك، يُترك يواجه وحده متاهة الضرائب، ودوامة المساطر، ونظرة الشك، وكأن دوره ثانوي أو هامشي، إذا كانت الدولة قادرة على تقديم التحفيزات السخية للمستثمرين الأجانب من إعفاءات ضريبية وضمانات وإجراءات مُبسّطة فلماذا يصبح هذا السخاء فجأة غير ممكن عندما يتعلق الأمر بمستثمر مغربي يغامر بماله داخل وطنه..؟ هل يُعقل أن يجد الأجنبي امتيازات وتسهيلات، بينما يُعامل المستثمر ابن البلاد بمنطق “دبّر راسك”..؟ أضعف الإيمان هو تقليص الواجبات الضريبية على المنعشين العقاريين المحليين، ليس لأنهم “محظوظون”، بل لأنهم فعلاً قوة إنتاجية تصنع قيمة حقيقية، بناء، تشغيل، حركة اقتصادية، وإعمار.
وإذا كانت الدولة تريد فعلاً حل أزمة السكن، ودعم الطبقة المتوسطة، وإنعاش المدن، فلا يمكنها الاستمرار في تجاهل هذا القطاع وتحميله ما لا يطيق، الأجنبي ليس أفضل من المغربي. والمستثمر المحلي ليس أقل شأناً ممن يأتي بحقيبة ويغادر بحقائب الأموال بعد سنوات، المغربي يبقى هنا، يستثمر هنا، ويبني هنا. وعليه إعادة الاعتبار للمنعشين العقاريين ليست “منّة”، بل خطوة تصحيحية متأخرة، وضرورة تنموية لا يمكن القفز فوقها .









