
افتتاحية الاسبوع
لم يعد المجلس الأعلى للحسابات مجرد مؤسسة رقابية تصدر تقارير سنوية تُركن في الرفوف، بل أصبح اليوم المجلس مرآة تعكس بشاعة واقع التدبير المحلي، وفضاءً تنهمر عليه الشكايات كما ينهمر المطر على أرض عطشى تبحث عن العدالة. فوفقاً لما كشفه السيد عبد العزيز كولوح، الكاتب العام للمجلس الأعلى للحسابات، أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، فقد استقبل المجلس 1445 شكاية خلال سنتي 2024 و2025، منها 904 سنة 2024 و541 إلى غاية 17 أكتوبر 2025. أرقام مهولة تفضح أكثر مما تُحصي، وتؤكد أن الفساد الإداري والمالي لا يزال يتنفس بعمق في أوصال المؤسسات. وإذا كانت 49% من الشكايات تخص المجالس الجهوية، فهذا يعني أن الخلل لم يعد في المركز فقط، بل في الأطراف أيضاً؛ جماعات ومجالس تُبدد الملايين في مشاريع على الورق، وبعض المسؤولين المحليين يتفننون في “اختراع الأعذار” و”تبذير الميزانيات” تحت يافطة التنمية، المثير أن كولوح لم يتحدث بلغة الدبلوماسية الباردة، بل لمح إلى أن عدداً من الملفات تتضمن اختلالات خطيرة وثابتة دفعت المجلس إلى تفعيل مساطر التأديب المالي وإحالة بعض القضايا على القضاء. بمعنى أوضح، بعض المنتخبين والمسؤولين في الطريق إلى المحاكم ولو بعد حين، لكن المفارقة الصارخة، أن بعض من طالتهم تقارير المجلس وأحكامه لا يزالون في مناصبهم، يمارسون مهامهم بوجهٍ و “صنطيحة” من فولاذ، يرافقون الولاة والعمال في المناسبات ويعقدون الاجتماعات وكأن شيئاً لم يكن..! هؤلاء فوق القانون وهم بين اقاربهم وببيوتهم وفي عيون زوجاتهم حسب عقليتهم أبطال ب“دولة اللامحاسبة”، حيث الإدانة بالنسبة لهم لا تعني العزل، والحكم لا يعني التوقف عن التسيير، وهنا يتحول الفساد إلى وسام انتخابي يُتَغنّى به في الحملة المقبلة وفي محاولة لتجميل الصورة، تحدث كولوح عن منصة رقمية لتلقي الشكايات والإبلاغات، خطوة مهمة بلا شك، لكنها تطرح سؤالاً مقلقاً، ما فائدة المنصات الرقمية إن كانت الملفات تُدفن في الأدراج الورقية..؟ المنصة خضعت لتدقيق من طرف المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI)، وتم تعديلها لحماية المعطيات جميل. لكن من سيحمي المواطن من الفساد المزمن والبيروقراطية العنيدة..؟ واسوق في افتتاحيتي بنسليمان كمثال صارخ على الفوضى المقنّنة ومن بين النماذج التي تُجسّد بوضوح مضمون هذه الشكايات، تبرز جماعة بنسليمان كعنوان صارخ لعبث التسيير المحلي، حيث رؤساء مجالس وأعضاء صدرت في حقهم أحكام قضائية ولا يزالون على كراسيهم، يتصرفون في الشأن العام وكأن الإقليم والمدينة ضيعات شخصية، بينما الساكنة تغرق في مشاكل البنية التحتية والنظافة والبطالة، بل إن المفارقة المضحكة المبكية، أن هؤلاء المسؤولين الذين يفترض أن يكونوا كمنتخبين موضوع مساءلة، نراهم يتصدرون مشاهد الافتتاح والاحتفال ويديرون الدورات، ويتحدثون عن الإصلاح والتنمية بملامح “القديسين”..! وهكذا تتحول تقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى وثائق للزينة السياسية، بدل أن تكون أدوات للردع والمحاسبة، في ظل استمرار منطق “الكل متهم والكل بريء” وحتى “الرقيب” خارج الرقابة..! وإذا كان المجلس الأعلى للحسابات يوجه أصابع الاتهام إلى الجماعات والقطاعات، فإن تقريرًا آخر صادر عن مجلس العدوي نفسه كشف مفارقة أكبر، برامج وحسابات ضخمة، بعضها تابع لرئاسة الحكومة ومؤسسات دستورية، خارج أي تقييم لنجاعة الأداء، التقرير الذي صدر في غشت 2025، أشار إلى أن البرامج 196 و197 و198 الخاصة بتدبير الدين العمومي ودعم السياسات الاجتماعية والتسديدات الضريبية، إضافة إلى البرامج 104 و105 و110 و106 التابعة لقطاعات حساسة مثل رئاسة الحكومة والهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة، لم تخضع لأي تقييم أو مراقبة حقيقية. بمعنى آخر، بينما يخضع رؤساء جماعات ومجالس محلية لمجهر المجلس الأعلى للحسابات، فإن كبار المسؤولين والمؤسسات الدستورية نفسها خارج نطاق التدقيق في “نجاعة الأداء”..!
حتى صندوق دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وصندوق إنعاش الاستثمارات، وهما من أكبر آليات التمويل العمومي، ظلا بمنأى عن هذا التقييم بحجة تبعيتهما لرئاسة الحكومة وهنا يصبح السؤال أكثر إيلامًا، وهو من يراقب “الرقيب الأعلى” حين يصبح جزءًا من الاستثناء..؟
فاصل وواصل


بين 1445 شكاية ومئات التقارير والبرامج غير الخاضعة للمراقبة، تتضح ملامح منظومة رقابية تُراقِب الجميع إلا نفسها، المجلس الأعلى للحسابات يقوم بدور حيوي لا يُنكر، لكنه ما لم تمتد الرقابة إلى رئاسة الحكومة والمؤسسات الدستورية نفسها، فإننا سنبقى في دائرة “الانتقائية” لا “الشفافية”، الفساد في المغرب لا يختبئ بعد اليوم. بل يتحدث باسم الإصلاح، ويرتدي بذلة المسؤولية، ويجلس في الصفوف الأولى من المنابر الرسمية.










