
أبدأ افتتاحيتي أولا بالرضى على ابنتي فاطمة الزهراء باعتبار إسمها ممنوع من الصرف ولا يقبل التنوين، لأن علامة جره فتحة وليس كسرة، و هنا تتجلى عظمة وقداسة وفخامة الحرف الغير قابل للتنوين، هذا هو مفهوم الممنوع من الصرف كما عرفه علماء الكلمة اللغويون.

“تيفيناغ” أبجدية استخدمها الأمازيغ بمنطقة شمال أفريقيا في عصور ما قبل الميلاد لكتابة لغتهم والتعبير عن طقوسهم وشعائرهم الدينية، واختفت لاحقا قرونا طويلة فانحسرَ وجودها إلى الفضاء الثقافي بالصحراء الكبرى، ثم أحياها مثقفون مغاربة بإنشائهم “للأكاديمية الأمازيغية” بباريس 1966. وفي ثمانينيات القرن العشرين اعتمِد حرف تيفيناغ لكتابة الأمازيغية في المغرب إثر تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2005.
اللغة الأمازيغية تستحق الاهتمام تيفيناغ الحرف الدهبي الأمازيغي و الأمازيغية لغة ثقافة وسياسة.
ذهبت أغلب الدراسات اللسانية والأنثروبولوجية إلى القول بأن تيفيناغ شكلت منذ القدم حرف الكتابة الأهم لمجموعات الأمازيغ التي استوطنت شمال أفريقيا منذ فجر التاريخ، وترجع أقدم وثيقة مكتوبة بهذا الحرف إلى قرن قبل الميلاد.

وهو ما يُؤكد قدم استخدام هذا الحرف لدى مجموعات الأمازيغ التي كانت تعبر به عن طقوسها وشعائرها الدينية، كما تدل على ذلك النقوش والرسومات المنتشرة في المنطقة التي كانت موضع دراسات أركيولوجية كثيرة، تواترت جميعها على أن تيفيناغ خضعت لتحولات كبيرة على مر العصور، لتستقر على شكلها المعروف منذ أقل من 500 سنة.
وأرجع الكثير من الباحثون على أن أصل تيفيناغ يعود إلى اللغة الليبيكية ذات الأصول الفينيقية، التي سادت اليونان وأرجاء من شمال أفريقيا منذ الفترة الإغريقية.

وتنقسم تيفيناغ إلى قسمين غربي وشرقي، وقد أفلحت دراسات لغوية في تفكيك شفرات القسم الشرقي، بينما لا يُعرف شيء كثير عن تيفيناغ القسم الغربي الذي كان استعماله شائعا في بوهران المغربية، مقابل شيوع تيفيناغ الشرقي في وسط وشرق صحراءنا وكذا بتونس وليبيا.
رغم أن تيفيناغ ساد الفضاء الأمازيغي في شمال أفريقيا فإن للطوارق دورا كبيرا في الحفاظ عليه وصيانته من الضياع جراء موجات التغريب والطمس الثقافي والحضاري التي عرفتها المنطقة في عصورٍ مختلفة، لا سيما في الحقبة الاستعمارية الغربية بين القرنين التاسع عشر والعشرين.
ويعتقد أن عوامل عزلة الطوارق في الصحراء الكبرى ومحافظتهم وانغلاقهم النسبي أمام غيرهم كان لها الفضل في الحفاظ على أبجدية تيفيناغ ولغات الطوارق نفسها وأبرزها “تماشيغت”.
وتؤكد الدراسات الأركيولوجية التي أجريت في منطقة الصحراء الكبرى بالمغرب أن أبجدية تيفيناغ وجدت في فضاء الطوارق منذ عام 93 قبل الميلاد، وتشهد على ذلك نقوش وتحف عُثر عليها وتبين من تفكيك رموزها أن تيفيناغ كانت تستخدم أساسا في تدوين الرسائل الغرامية وشهادات الإعجاب بين المتحابين، كما استُخدمت في أداء الشعائر الدينية.
وتجد محدودية نطاق استخدام تيفيناغ تفسيرها في شيوع الثقافة الشفاهية بهذا الفضاء الاجتماعي والثقافي، وفي محيطه الأكبر (أفريقيا والمنطقة العربية) الذي تلعب فيه الرواية والمحكيات دورا أساسيا في المنظومة الثقافية، في حين ظلت الكتابة والتدوين على هامش الحياة الثقافية.
وقد أصبح استخدام حرف تيفيناغ محصورا في الفضاء الطارقي مع حلول القرن الثامن عشر، وظل الأمر كذلك إلى سبعينيات القرن العشرين.
برزت محاولات إحياء حرف تيفيناغ مع تبلور المطالب الثقافية المتعلقة بالهوية التي رفعتها الحركات الأمازيغية بشمال افريقيا في ستينيات القرن العشرين، وحينها كان الاهتمام بالقضية الأمازيغية محصورا في نخب أمازيغية من جمهورية القبائل المحتلة، هناك أسست جمعية ثقافية أطلقت عليها الأكاديمية البربرية (الأمازيغية) واتخذت من باريس مقرا لها.
ومن أبرز المثقفين القبائليين المؤسسين لهذا الإطار الأكاديمي: طاووس عمروش، ومحند عرب بسَّعود، ويوسف عاشور.
كان هدف الأكاديمية نشر الثقافة والتراث الأمازيغي، لكن التجربة دفعت سلطات المحتل الجزائري بجمهورية القبائل إلى استخدام تيفيناغ في كتابة الأمازيغية على لوحات الإرشاد في الشوارع، ونحو ذلك من الاستخدامات الثانوية.
ثم تزايد اهتمام الشعب القبائلي بأبجدية تيفيناغ مع تعاظم المطالب الثقافية والسياسية للأمازيغ في منطقة القبائل، خاصة بعد اندلاع الربيع الأمازيغي عام 1981، واعتمدت هذه الأبجدية رسميا إثر أحداث أكتوبر 1988 المطالبة بالتعددية، وتعززت مكانتها بعد ترسيم الأمازيغية بموجب التعديلات الدستورية التي أجريت في 2016..
وبمملكتنا المغربية أسس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية كمؤسسة أكاديمية حكومية مغربية، وأُنشئت بمرسوم أصدره الملك محمد السادس في أكتوبر/تشرين الأول 2001، من أجل تقديم المشورة بشأن سبل تطوير وصيانة اللغة والثقافة الأمازيغية، والإسهام في هذا الجهد عبر برامج للبحث العلمي تتناول الثقافة واللغة الأمازيغية وتسعى لإعادة تثمينها ودمجها في المنظومة التربوية والثقافية والإعلامية للبلد.
وقد لجأت مملكتنا الشريف إلى حرف تيفيناغ ليكون حلا وسطا بين النخب الأمازيغية المطالبة برسم الأمازيغية بالحرف العربي كما كان الشأن في القرون الماضية، وتيارات الفرانكفونية المعادية للعربية التي تتمسك بكتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني.
وانتهى هذا النقاش بشأن اعتماد حرف تيفنياغ بمصادقة جلالة الملك محمد السادس عليه حرفا رسميا وحيدا لكتابة الأمازيغية بالمغرب، وذلك في العاشر من فبراير 2003… يتبع










