قراءة وتحليل لخطاب العرش في الذكرى السابعة والعشرين… “خارطة طريق لمرحلة سياسية واقتصادية جديدة “

هناوي الهادي30 يوليو 2026Last Update :
قراءة وتحليل لخطاب العرش في الذكرى السابعة والعشرين… “خارطة طريق لمرحلة سياسية واقتصادية جديدة “

لم يكن خطاب جلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش مجرد استعراض لحصيلة سنة من الإنجازات، بل جاء بمثابة وثيقة سياسية واستراتيجية ترسم ملامح المرحلة المقبلة، في سياق إقليمي ودولي يتسم بارتفاع منسوب التنافس الاقتصادي، وتسارع التحولات الجيوسياسية، واقتراب المغرب من استحقاقات انتخابية جديدة.

فالخطاب حافظ على تقليد المؤسسة الملكية في الجمع بين تقييم المنجز، وتشخيص الاختلالات، ورسم الأولويات المستقبلية، مع توجيه رسائل واضحة إلى مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والإداريين. 
سياسياً، أبرز الخطاب أن الدولة المغربية اختارت الاستمرارية في الإصلاح بدل منطق القطيعة، وهو ما يظهر من خلال التأكيد على أن التنمية لم تعد تقاس فقط بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية، وإنما بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطن. فالنمو الاقتصادي، مهما بلغت نسبته، لا يكتسب معناه الحقيقي إلا إذا تحول إلى فرص للشغل، وتحسين للدخل، وتقليص للفوارق الاجتماعية والمجالية. وهذه رسالة سياسية تعكس أن الدولة أصبحت أكثر اهتماماً بجودة التنمية وليس فقط بحجمها. 
اقتصادياً، حمل الخطاب لغة الثقة في قدرة المغرب على تثبيت مكانته كقوة صناعية واستثمارية صاعدة، من خلال الإشارة إلى تطور قطاعات السيارات والطيران والطاقة المتجددة والصناعات الغذائية، إضافة إلى تعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية. غير أن اللافت هو أن جلالة الملك لم يكتف بعرض مؤشرات النجاح، بل دعا إلى تعبئة القطاع المالي لدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة والابتكار والتصدير، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالاً من اقتصاد يقوده الاستثمار العمومي إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على المبادرة الخاصة والإنتاجية. 
اجتماعياً، أكد الخطاب أن العدالة المجالية أصبحت أولوية وطنية، وأن التنمية ينبغي أن تشمل جميع الجهات دون استثناء. وهذه الرسالة تحمل بعداً سياسياً واضحاً، لأنها تضع مختلف المؤسسات الترابية أمام مسؤولية تنزيل المشاريع التنموية وفق مبدأ الإنصاف المجالي، بما يحد من التفاوتات بين المدن الكبرى والمناطق الأقل استفادة من الاستثمار العمومي. 
أما على المستوى المؤسساتي، فقد جاء الحديث عن الانتخابات المقبلة باعتباره دعوة غير مباشرة إلى تجديد النخب، والارتقاء بالممارسة السياسية، وإفراز مؤسسات قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها المملكة. فالخطاب لم يدخل في تفاصيل التنافس الحزبي، لكنه أكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى كفاءات قادرة على تحويل المشاريع الكبرى إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. 
وفي البعد الاستراتيجي، حافظ الخطاب على ثوابت السياسة الخارجية المغربية، القائمة على تعزيز مكانة المملكة كشريك موثوق إقليمياً ودولياً، مع تثبيت صورة المغرب كدولة مستقرة وقادرة على التوفيق بين الأمن والتنمية والانفتاح الاقتصادي، وهو ما يمنح الدبلوماسية المغربية رصيداً إضافياً في ظل التحولات التي يشهدها العالم. 
وخلاصة القول، فإن خطاب العرش لهذه السنة لم يكن خطاباً احتفالياً بقدر ما كان إعلاناً عن دخول المغرب مرحلة جديدة عنوانها تعزيز السيادة الاقتصادية، وترسيخ العدالة المجالية، وتحسين أثر التنمية على المواطن، والاستعداد لاستحقاقات سياسية جديدة. وهو خطاب يضع الحكومة، والجماعات الترابية، والقطاع الخاص، ومختلف المؤسسات أمام مسؤولية جماعية لتحويل التوجيهات الملكية إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم، بما ينسجم مع طموح بناء مغرب أكثر تنافسية، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News