في مشهد عبثي يصلح لأن يُدرّس في كليات “مقاومة التغيير”، خرج بعض أصحاب الطاكسيات الكبيرة بمدينة المحمدية عن جادة العقل والمنطق، وقرروا إعلان التمرد على قرار سيادي وإداري واضح صادر عن وزارة الداخلية، ليس عبر المذكرات أو الطعون القانونية، بل عبر أسلوب “البلوكاج” و محاصرة الحافلات الجديدة التي انطلقت
من بنسليمان في أول يوم لخدمة المواطنين، وكأنهم يبعثون برسالة مفادها
“ نحن فوق السلطة والقانون إما نحن أو الفوضى”.
الحافلات التي أعطيت انطلاقتها وسط أجواء احتفالية واستبشار واسع من طرف الطلبة والعمال والساكنة، لم تكد تلتقط أنفاسها الأولى حتى وجدت نفسها مطوقة بطاكسيات قررت أن تتحول من وسيلة نقل إلى أداة ضغط وابتزاز جماعي.


وكأن البعض لم يستوعب بعد أن الشارع ليس ضيعة خاصة، وأن النقل العمومي ليس إرثا عائليا يُورث من جيل إلى جيل.
ما وقع بالمحمدية ليس مجرد احتجاج مهني عابر، بل مؤشر خطير على عقلية تعتبر أن أي إصلاح يمس مصالحها الضيقة يجب أن يُواجه بالفوضى والتسيب، حتى وإن كان ذلك على حساب آلاف المواطنين الذين طحنهم الانتظار لسنوات بين بنسليمان والمحمدية والدار البيضاء. فهل يُعقل أن تبقى الساكنة رهينة مزاج بعض “أباطرة الكريمة” الذين يتصرفون وكأنهم فوق القانون وفوق مؤسسات الدولة…؟
المفارقة الساخرة أن هؤلاء الذين يرفعون اليوم شعار “الدفاع عن الرزق”، صمتوا طويلا عن التسعيرة المبالغ فيها 15 درهم بنسليمان المحمدية وعن معاناة المواطنين مع الاكتظاظ وغلاء التسعيرة والفوضى التي عاشها القطاع لسنوات. لم نسمع لهم صوتا حين كان الطلبة يتكدسون كعلب السردين، ولم نر حماستهم حين كانت النساء والعمال ينتظرون ساعات تحت الشمس والمطر. لكن ما إن ظهرت حافلات حديثة قد تضع حدا لسنوات من العبث، حتى تحولت بعض الطاكسيات إلى “دروع بشرية” في مواجهة الإصلاح.
وزارة الداخلية، وهي تتدخل لتوفير أسطول جديد من الحافلات، لم تكن تقوم بعمل خيري أو استعراضي، بل كانت تنفذ واجبها في حماية حق دستوري للمواطن: الحق في النقل الكريم. وبالتالي فإن أي محاولة لعرقلة هذا الورش ليست فقط تحديا لشركة أو حافلة، بل تحدٍ مباشر لهيبة الدولة ولقراراتها التنظيمية.
اليوم، الكرة في ملعب السلطات الأمنية والإدارية بالمحمدية. فإما فرض القانون بحزم حتى تمر الحافلات وتحترم المؤسسات، أو فتح الباب أمام منطق “لي الذراع” الذي قد يجعل كل إصلاح مستقبلي رهينة لفئة ترفض التغيير لأنها تعودت على الفوضى المربحة. لقد انتهى زمن احتكار الطرقات وابتزاز المواطنين. ومن يعتقد أن محاصرة الحافلات سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فهو واهم. لأن قطار الإصلاح انطلق ومن الأفضل للبعض أن يركبوه بدل أن يناموا فوق سكته.









