حزب الاستقلال والاتحاد العام للشغالين بين الأمس واليوم

هناوي الهادي12 أبريل 2026Last Update :
حزب الاستقلال والاتحاد العام للشغالين بين الأمس واليوم

في زمنٍ كانت فيه الأحزاب الوطنية تُشبه مدارس لتخريج المناضلين، لا مصانع لتفريخ “المطيعين”، كان الانتماء السياسي شرفًا يُنتزع بالنضال لا بطاقةً تُمنح بقرار من “الباطرون”. أما اليوم، فقد انقلب المشهد رأسًا على عقب أحزاب عريقة تحولت، في صمتٍ مريب، إلى شركات خاصة ذات مسؤولية محدودة، المدير فيها “بوص” لا يُسائل، والقرار فيها يُفصل على مقاس الولاءات لا الكفاءات.
داخل هذا التحول المقلق، تبرز نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب كحالة نموذجية لزمن الانحدار. نقابة كانت، إلى عهد قريب، صوت الطبقة الشغيلة وملاذها، فإذا بها اليوم تتحول إلى ساحة صراع داخلي مفتوح، لا يُشبه في شيء تاريخها ولا تضحيات رجالاتها. فمنذ رحيل أسماء وازنة، في مقدمتها عبد الرزاق أفيلال، دخلت النقابة مرحلة التيه، حيث غابت البوصلة وحضر منطق التصفية والحسابات الضيقة وإذا كان إبعاد المناضل الإستقلالي حميد شباط

قد شكل لحظة مفصلية في هذا المسار، فإن ما تلاه لم يكن سوى تعميقٍ لأزمة القيادة وتكريسٍ لهيمنة منطق “الدار الكبيرة”، حيث تُدار النقابة كما تُدار شركة عائلية، تُوزع فيها الأدوار حسب القرب من مركز القرار، لا حسب الاستحقاق النضالي، اليوم يحتدم الصراع بين جناحين واضحين، جناح يقوده النعمة ميارة، وآخر يتزعمه يوسف علاكوش. صراع لم يعد خافيًا على أحد، بل أصبح عنوان مرحلة كاملة من التصدع الداخلي.

والأخطر من ذلك، أن هذا التنازع لم يعد يُدار داخل المؤسسات، بل يُغذى من خارجها، حيث تتقاطع خيوطه مع حسابات قيادات حزبية بارزة، من قبيل نزار بركة وحمدي ولد الرشيد، في مشهد يُكرس تداخل النقابي بالحزبي، ويُفرغ العمل النقابي من استقلاليته المفترضة هكذا، لم تعد المعركة داخل الاتحاد العام للشغالين معركة دفاع عن حقوق الشغيلة، بل صراع على من يتحكم في “المفاتيح” من يُزكي، من يُقصي، ومن يُمسك بخيوط اللعبة. نقابة تحولت، في نظر الكثيرين، من قوة اقتراحية إلى ورقة ضغط داخل توازنات الحزب، ومن فضاء للنضال إلى منصة لتصفية الحسابات. السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم، هل نحن أمام لحظة تصحيح تعيد للنقابة روحها النضالية، أم أمام فصل جديد من مسلسل إعادة توزيع الغنائم؟ وهل ينجح جناح نزار بركة في إزاحة النعمة ميارة، ليفتح الباب أمام صعود يوسف علاكوش، أم أن “البوص” سيظل دائمًا أقوى من كل القوانين والشرعيات..؟ في نهاية المطاف، ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل مرآة تعكس أزمة أعمق أزمة أحزاب فقدت روحها، ونقابات فقدت دورها، وواقع سياسي بات فيه المناضل الحقيقي عملة نادرة، بينما يزدهر “موظفو الولاء” في سوق السياسة. والسؤال الأكبر من يعيد لهذه المؤسسات روحها قبل أن تتحول نهائيًا إلى مجرد لافتات بلا مضمون..؟

كمهتم بالشأن العام، وكاعلامي خريج أكاديمية العلوم السياسية ، يفرض عليّ الضمير قبل القلم أن أطرح سؤالًا بسيطًا في شكله، عميقًا في مضمونه ماذا يفهم ويفقه الثنائي نزار بركة وحمدي ولد الرشيد في السياسة، وفي العمل النقابي تحديدًا..؟ سؤال قد يبدو للبعض مستفزًا، لكنه في الحقيقة مشروع، بل وضروري، في زمن اختلطت فيه الأدوار، وتماهت فيه الزعامة مع النفوذ، والمعرفة مع مجرد الحضور ، من أي جامعة تخرّج هذا الثنائي..؟ وما هي مدرستهما الفكرية والسياسية التي تؤهلهما لتوجيه بوصلة العمل الحزبي والنقابي..؟ هل نحن أمام قيادات صاغتها التجربة النضالية والتراكم المعرفي، أم أمام ظاهرة سياسية تُدار بمنطق الولاءات والشبكات لا بمنطق التأطير والتأهيل..؟ ثم بأي معيار يصبح نزار بركة وحمدي ولد الرشيد أعلى شأنًا وأثقل وزنًا من قيادات نقابية من حجم النعمة ميارة ويوسف علاكوش..؟ هل بالكفاءة..؟ أم بالقرب من دوائر القرار..؟ أم بقدرة كل واحد منهما على التحكم في مفاصل الحزب وتوجيه خيوط اللعبة من وراء الستار..؟ إنه سؤال لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بمنطق يُراد تكريسه، منطق يجعل من السياسة حرفة بلا مرجعية، ومن النقابة ذراعًا وظيفية تُحرّك حسب الحاجة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من حق كل متتبع أن يتساءل هل ما نعيشه هو صراع أفكار وبرامج، أم مجرد صراع مواقع ونفوذ بين من يملكون مفاتيح “الشركة الحزبية”…؟

في زمنٍ تُقاس فيه حيوية الأحزاب بقدرتها على تجديد دمائها، يبدو أن شباب حزب الاستقلال يُدفعون إلى هامش المشهد، وكأنهم تفصيل زائد لا قيمة له في معادلة سياسية متآكلة. هؤلاء الشباب، المنتشرون في كل الأقاليم، لا يطلبون امتيازًا ولا صدقة تنظيمية، بل يطالبون فقط بحقهم الطبيعي في أن يكونوا جزءًا من القرار، لا مجرد وقود يُستدعى عند الحملات ويُنسى عند توزيع المواقع، المفارقة الصادمة أن قيادة الحزب، التي ترفع شعارات التجديد والديمقراطية الداخلية، تبدو وكأنها تراهن على إقصاء هذه الطاقات بدل احتضانها، في سلوك يعكس خوفًا غير معلن من كل نفسٍ جديد قد يخلخل توازنات قديمة بُنيت على الولاءات لا الكفاءات. فكيف لحزبٍ بتاريخ عريق أن يُدير ظهره لشبابه، وهم الرأسمال الحقيقي لأي مشروع سياسي يريد البقاء لا مجرد الاستمرار الشكلي..؟ هنا، لا يصبح التهميش مجرد خطأ تنظيمي، بل خيارًا قاتلًا يُهدد مستقبل هذا الحزب العريق من الداخل.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News