في مدينة تُثقل كاهلها ملفات التنمية المؤجلة، يبدو أن بعض “الناس” قرروا ترك كل شيء جانبًا والاشتغال فقط على “زمّارة” المنح. نعم، 270 مليون سنتيم صارت فجأة أخطر من البطالة، ومن البنية التحتية، و الغـــــــلاء ومن تخلف المدينة عن الركب ومن هموم الساكنة التي تنتظر من يُنصت لها بدل من ينهب ويتٱمر و يطبل و يصفر لها.

حكمة مغربية تقول “مكايعطي وياخد غير الله”، لكنها اليوم تُستحضر بسخرية في ملف رئيس جماعة بنسليمان محمد جديرة، الذي وجد نفسه بين مطرقة المنح وسندان الشكايات. بالأمس القريب، وُزعت المنح على جمعيات يُقال إنها استفادت وفق المساطر القانونية، واليوم… نفس الجهات تصرخ مطالبة بإرجاع الأموال إلى خزينة الجماعة، وكأننا أمام مسرحية عنوانها “طلع تاكل الكرموس… هبط شكون قال ليك طلع؟”. المفارقة العجيبة أن القضية لم تُفجّرها “غيرة” على المال العام بقدر ما حرّكتها حسابات ضيقة، بدأت بشكاية بعض من لم يتم استدعاؤهم، فتحولت فجأة إلى معركة كبرى عنوانها “إرجاع المال العام”. هكذا، وبجرة قلم، تحولت المنح من “دعم جمعوي” إلى “غنيمة يجب استرجاعها”، وكأن الجمعيات المستفيدة ليست سليمانية جاءت من كوكب آخر، ورؤساؤها ليسوا من أبناء هذا الوطن.
الأدهى من ذلك، أن بعض الناس نصبوا أنفسهم قضاة وجلادين في آن واحد، محملين الرئيس جديرة وحده كامل المسؤولية، متناسين أن القرارات الجماعية لا تُصنع في الخفاء، وأن المسؤولية حتى وإن وُجدت فهي جماعية، تشمل كل من صفق ووافق ومرّر. لكن، كما يُقال “المندبة كبيرة والميت فأر”. ثم لنفترض جدلًا أن المبلغ سواء كان 270 أو 400 أو حتى 500 مليون… هل هذا هو أصل الداء..؟ أم أن المدينة تحتاج من يُعيد ترتيب أولوياتها بدل النفخ في قضايا فارغة و ثانوية..؟ هل أصبحت المنح هي الخطر الأكبر، بينما التنمية والبطالة وجريمة المنطقة الاصطناعية وليس الصناعية وجرائم أخرى تُركت في غرفة الإنعاش…؟ الحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها، أن تحويل النقاش من تنمية المدينة إلى “مطاردة الدراهم” ليس إلا هروبًا إلى الأمام. فالأسهل دائمًا هو الصراخ حول الأموال، والأصعب هو الاشتغال على المشاريع، وتحقيق الإقلاع الحقيقي. في النهاية، تبدو الصورة واضحة ضجيج كثير… ونتائج قليلة. أما المدينة، فلا تزال تنتظر من يشتغل… بدل من يكتفي بالنفخ في “الخاويات”. يتبـــــــــــع










