في السياسة كما في الأخلاق، هناك زلات لسان، وهناك أيضًا زلات مقام. لكن أن يصدر عن وزير في حكومة المغرب كلام يختزل ملايين المغاربة المقيمين بالخارج في عبارة شعبوية منحطة من قبيل “كتجيو للمغرب « بزعط » واش بغيتو نستقبلكم بالورد..؟”، فالأمر يتجاوز مجرد زلة عابرة ليصبح سقوطًا مدويًا في امتحان المسؤولية واللياقة معًا.
والأدهى أن يصدر هذا الكلام عن وزير محسوب على حزب عريق مثل حزب الاستقلال، تلك المدرسة الوطنية التي خرجت أجيالاً ؛ شخصيات كالراحل محمد بوستة والراحل خالد الجامعي وعبد الله البقالي وٱل الفاسي وٱل الحاج عبد الرحمان حجيرة طيب الله ثراه وقائمة الشخصيات طويلة كلها تربّت على أدبيات الاحترام والرصانة وخدمة الوطن. مدرسة كان رجالها يعرفون أن الكلمة في السياسة ميزان، وأن المسؤولية ليست ميكروفونًا يقال فيه ما خطر على البال. لذلك يبدو تصريحك ياسيدي الوزير كأنه نشاز خارج لحن تلك المدرسة، وخروج صريح عن تقاليدها وأخلاقها السياسية.
الجالية المغربية بالخارج، يا سعادة الوزير، ليست فوج سياح هبط فجأة على مطار الرباط حتى نتساءل هل نستقبلهم بالورد أم لا. هؤلاء أبناء هذا الوطن، دمهم من دمه وذاكرتهم من ذاكرته. يعودون إلى بلدهم لأنهم مغاربة… لا لأنهم ينتظرون حفلاً استقبالياً منك، ولا لأنهم يبحثون عن تصفيق منك أو “واو ها هوما جاو”. المغرب بلدهم. لكن السؤال الحقيقي ليس لماذا يأتون، بل ماذا أعددتم أنتم لهم عندما يأتون..؟ قبل أن تطلبوا منهم أن يعودوا ببساطة لأن “بلادهم هادي”، كان الأجدر أن تسألوا أنفسكم هل وفّرتم نفس الظروف التي دفعتهم أصلاً إلى الرحيل..؟ فالملايين الذين غادروا المغرب لم يغادروه نزوة، ولم يهاجروا ترفًا أو حبًا في الغربة. غادروه بحثًا عن فرصة، عن كرامة مهنية، عن أفق لم يجدوه هنا. ومع ذلك لم يقطعوا الحبل السري مع الوطن يرسلون التحويلات، يبنون البيوت، يستثمرون، ويعودون كل صيف حاملين معهم الحنين لا “الزعط”. الغريب أن الدولة نفسها تتغنى في كل مناسبة بأدوار الجالية الاقتصادية والاستراتيجية، وتفاخر بحجم تحويلاتهم التي تنعش الاقتصاد الوطني. لكن يبدو أن بعض الوزراء يكتشفون الجالية فقط حين يريدون التندر عليها في خرجات إعلامية غير محسوبة. لذلك، ياوزير، القضية ليست في الورد ولا في “ بزعطة او بزعط أو الزعط”. القضية في الاحترام. ف آنت وزير والسياسة ليست سوقًا للكلام الآرعن و للعبارات المرتجلة، والوزير ليس معلقًا في مقهى شعبي. وإذا كان المغاربة المقيمون بالخارج يعودون كل صيف إلى وطنهم برؤوس مرفوعة، فإن أقل ما ينتظرونه من مسؤول في دولتهم… هو أن يحترمهم ويقدر مجهوداتهم و يخاطبهم بنفس الارتفاع.










