عندما تتحول المتابعة الصحفية إلى إشهار و تلميع مدفوع الثمن ونشرة علاقات عامة

هناوي الهادي31 يناير 2026Last Update :
عندما تتحول المتابعة الصحفية إلى إشهار و تلميع مدفوع الثمن ونشرة علاقات عامة

حين تُنقل الرواية الرسمية بلا تحقق ولا أرقام ولا دليل ملموس، تتحول المادة من خبر إلى ترويج. هسبريس تكذب، أو على الأقل تنقل نصف الحقيقة بطريقة مضللة، وهو انزلاق وعمل يسيء لعامل الإقليم ولا يخدمه ولا يليق أيضا بمهنيتها المفترضة

ما نشرته جريدة هسبريس بخصوص “تحريك عامل إقليم بنسليمان لعشرات المشاريع والملفات” لا يخرج، في تقديري الصحفي، عن كونه نصًا إنشائيًا مبالغًا فيه، أقرب إلى التلميع منه إلى الخبر، وأقرب إلى ما سُمع في المقاهي و الكواليس مما تحقق على أرض الواقع. لست من موقعي المهني، في وارد التشكيك في نية عامل الإقليم أو عدم يقين غيرته على التنمية، فذلك أمر لا يناقَش، لكن حسب أقدميتي وخبرتي الطويلة في الصحافة وما تعلمت بالجامعة ببلاد المهجر أن الصحافة علم يدرس ومبادئ و ٱخلاق و لا تُبنى على النوايا والكلام ولا على العبارات الفضفاضة، بل على الوقائع الموثقة، والمؤشرات القابلة للتحقق. هسبريس تحدثت عن “حلحلة عشرات المشاريع” و“إحياء ملفات ظلت حبيسة الرفوف”، دون أن تقدم للرأي العام مشروعًا واحدًا خرج فعليًا إلى حيز الإنجاز، أو ورشًا استؤنف بعد تعثر، أو أجلاً زمنيًا واضحًا يُقاس به هذا التحرك المزعوم. وهو ما يجعل المادة المنشورة أقرب إلى نقل رواية أحادية المصدر، لا إلى عمل صحفي متوازن يستحضر المعطيات، والأرقام، وسياق تعقيد المساطر، وحدود تدخل السلطة الترابية. إن جولات السيد العامل الميدانية، مهما كانت أهميتها، لا تُقاس بعدد الصور ولا بعدد الاجتماعات، بل بما تفرزه من نتائج ملموسة؛ مناطق صناعية وطرق تُنجز، مرافق تُفتح، اعتمادات تُصرف في محلها، ومشاريع تنتقل من الورق إلى الواقع. أما الحديث عن “مرحلة ربط المسؤولية بالمحاسبة” قبل ظهور أول إجراء أو أول قرار في هذا الاتجاه، فيظل استباقًا إعلاميًا غير محسوب. كلمة حق تقال حسب علمي أن الصحافة الجادة لا تكذب، لكن بعضها أحيانًا تكتفي بنشر ما تسمعه دون تمحيص، فتسقط في فخ التهويل. وهذا، للأسف، ما وقعت فيه هسبريس في هذه المادة، حين اختارت لغة الاحتفاء بدل لغة السؤال، ولغة التوقع بدل لغة التحقق. وبين النية الحسنة للعامل، والواقع التنموي الذي ما زال ينتظر، مسافة لا يختصرها مقال، ولا يردمها « تطبال ولا تلميع.

أكرر ما نشرته جريدة هسبريس حول ما سمته “تحريك عامل إقليم بنسليمان لعشرات المشاريع والملفات” لا يمكن تصنيفه، بأي معيار مهني صارم، ضمن المتابعة الصحفية، بل يندرج بوضوح في خانة التسويق الإداري الناعم، حيث تختفي الأسئلة، وتغيب الأرقام، ويُستبدل منطق التحقق بلغة الإشادة والاستباق. النص المنشور لا يخبر القارئ بقدر ما يطمئنه، لا يكشف بقدر ما يروّج، ولا يزعج السلطة بقدر ما يريحها. حديث واسع عن “حلحلة” و“دينامية” و“إخراج ملفات من الرفوف”، دون ذكر ملف واحد، أو مشروع محدد، أو ورش واحد تغيّر وضعه قبل وبعد هذا “التحرك”. وكأن المطلوب من القارئ أن يصدق لأن المصدر قال، لا لأن الواقع أكد. شخصيا لا أشكك في نية السيد عامل الإقليم، ولا في غيرته و رغبته في الدفع بالتنمية، فذلك خارج النقاش أصلًا. لكن الخلل ليس هنا. الخلل في صحافة تخلط بين النية والإنجاز، وبين الحركة والنتيجة، وتتعامل مع السلطة الترابية بمنطق “النقل الأمين” بدل منطق “المساءلة الواجبة”. فالسلطة، مهما حسنت نواياها، لا تُقاس بالجولات ولا بالبلاغات، بل بما يتحقق فعليًا في حياة المواطنين. الأخطر في المادة المنشورة ليس ما قيل، بل ما لم يُقل وأعني ما يعكس حقائق تم اخفاؤها. لم نقرأ في مادة هسبريس عن العراقيل، ولا عن تعثرات سابقة، ولا عن أسباب تجميد المشاريع، ولا عن حدود تدخل العامل في مساطر قانونية ومالية معقدة. لم نقرأ عن آجال، ولا عن ميزانيات، ولا عن مسؤوليات متشابكة. وكأن التنمية قرار إداري يُفعّل بخبر، لا مسار طويل مليء بالتعقيدات والتقاطعات. آكرر ما أسلفت ذكره؛ الحديث عن “مرحلة ربط المسؤولية بالمحاسبة” قبل تسجيل أول قرار عملي، أو أول إحالة، أو أول إجراء واضح في هذا الاتجاه، فلا يعدو أن يكون قفزًا إعلاميًا على الزمن، وترويجًا لنية لم تختبرها الوقائع بعد. وهنا تحديدًا يفترض أن تتدخل الصحافة لا لتصفق،بل لتنتظر وتسائل. الصحافة حين تتخلى عن دورها الرقابي لا تتحول إلى كاذبة، بل إلى مُطمئِنة زائفة. وحين تختار لغة الاحتفاء بدل لغة السؤال، فإنها لا تخدم الحقيقة، بل تساهم في صناعة وهم الإنجاز. وهذا، للأسف، ما فعلته هسبريس في هذه المادة، حين فضّلت الاقتراب من خطاب السلطة بدل الاقتراب من واقع المواطن.
وبين خطاب إداري مُنمّق، وواقع تنموي ما زال معلقًا، تبقى الحقيقة واضحة التنمية لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما يراه الناس على الأرض. أما المقالات، مهما حسُنت لغتها، فلا تُنجز طريقًا، ولا تفتح مرفقًا، ولا تُخرج مشروعًا من الرف إلى الواقع.

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News