
افتتاحية نهاية السنة
خروج مدير قناة شوف تيفي برسالة رسمية إلى رئيس مجلس النواب، معلنًا “تحدّيه” ومطالبًا بلجنة لتقصي الحقائق، لا يمكن قراءته كحدث عادي. نحن أمام لحظة كاشفة في العلاقة الملتبسة بين الإعلام والسلطة، حيث ينتقل الإعلامي من موقع المساءلة إلى موقع الشكوى، ومن دور المراقِب إلى دور الطرف. في ظاهر الرسالة يبدو الخطاب قانونيًا ومرتبًا؛ ثقة في المساطر، استعداد للتحقيق، نفي للاستفادة غير المشروعة من المال العام، وتشديد على “وقار المؤسسة التشريعية” لكن في الجوهر، يطرح هذا الخروج أسئلة أعمق وأحرج. أولًا؛ حين يطالب مسؤول إعلامي البرلمان بحماية “حرمة المؤسسة التشريعية” من تصريحات نائب وامين عام حزب عريق، فهل نحن أمام دفاع عن البرلمان، أم محاولة لتحصين مؤسسة إعلامية من النقد السياسي..؟ ومن يحدد أصلًا حدود النقد داخل قبة البرلمان؛ هل الصحافة أم النواب المنتخبون..؟ ثانيًا؛ الحديث عن أن الدعم العمومي “ينحصر حصريًا في التأدية المباشرة لأجور الصحافيين” يفتح سؤالًا مشروعًا، لا اتهاميًا؛ هل تمويل الأجور من المال العام لا يُعدّ دعمًا..؟ وهل هذا التمويل محايد بالكامل من حيث الأثر، أم أنه يُنشئ، موضوعيًا، علاقة اعتماد بين الدولة والمقاولة الإعلامية، مهما كانت الصيغة القانونية..؟ ثالثًا؛ حين يُقدَّم هذا الدعم باعتباره إجراءً “تستفيد منه جميع المقاولات المهيكلة دون استثناء”، فالسؤال الطبيعي هو؛ من يحدد مفهوم “الهيكلة”..؟ ومن بقي خارجها..؟
وهل أصبح هذا المفهوم، في الممارسة، أداة فرز بين إعلام “شرعي” وإعلام “غير مرغوب فيه”..؟ الأكثر دلالة في الرسالة ليس نفي الاتهامات، فهذا حق مشروع، بل الدعوة الصريحة لاتخاذ إجراءات في حق نائب برلماني وقائد سياسي بسبب تصريح سياسي داخل البرلمان.
هنا نكون أمام منعطف حساس؛
إعلام يطالب بمحاسبة السياسة بسبب خطاب داخل البرلمان، بينما لطالما اعتُبر البرلمان فضاءً للنقاش الحاد، والاتهام السياسي، والمساءلة العلنية. إذا كان كل تصريح برلماني مثير للجدل سيُحال على “المساطر” بطلب من مؤسسة إعلامية، فماذا يتبقى من العمل السياسي أصلًا..؟
وأين تقف حرية التعبير للنواب، إذا أصبح الإعلام طرفًا ضاغطًا داخل المؤسسة التشريعية..؟ المفارقة أن من يطالب اليوم بلجنة لتقصي الحقائق، هو نفسه جزء من مشهد إعلامي راكم ثروة التأثير والانتشار دون أن يخضع يومًا لنقاش عمومي جدي حول النموذج، والمحتوى، والأخلاقيات. فهل لجنة تقصي الحقائق مطلوبة فقط عندما يوجَّه السؤال إلى الإعلام، أم يجب أن تشمل أيضًا طبيعة هذا الإعلام، ووظيفته، وتأثيره، وعلاقته بالمال العام..؟
القضية، في النهاية، لا تتعلق بشخص ولا بمؤسسة بعينها، بل بسؤال مقلق؛ هل نريد إعلامًا يراقب السلطة أم إعلامًا يستقوي بالسلطة للرد على منتقديه..؟ البرلمان ليس محكمة، والصحافة ليست فوق المساءلة والمال العام أيًّا كانت صيغ صرفه يظل حقًا مشروعًا للنقاش العمومي. أما تحويل الجدل السياسي إلى ملف “وقار” و“هيبة” و“إجراءات”،
فذلك لا يبدّد الشكوك بل يضاعفها.
سابقة في تاريخ الصحافة ومهزلة حين يشتكي الإعلام من السياسة ويطالب البرلمان بالحماية
مثير للاهتمام أن يتحول مدير مؤسسة إعلامية، بين ليلة وضحاها، إلى حارس على “وقار” البرلمان، ومدافع شرس عن هيبة المؤسسة التشريعية، ومطالب بإجراءات في حق نائب منتخب وامين عام حزب، فقط لأنه قال كلامًا لم يعجب الشاشة. في رسالته إلى رئيس مجلس النواب، يعلن استعداده الكامل لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وهو أمر محمود من حيث الشكل. لكن السؤال البسيط هو؛ آكرر ما اسلفت قوله هل لجنة تقصي الحقائق تُنشأ لحماية البرلمان من السياسة أم لحماية الإعلام من النقد..؟ يؤكد الرجل أن مؤسسته لا تستفيد من المال العام، ثم يستدرك بثقة؛ باستثناء التأدية المباشرة لأجور الصحافيين.
وهنا فقط، نكتشف أن المال العام لا يُعدّ مالًا عامًا إذا دخل من باب الأجور، وأن الدعم لا يُسمّى دعمًا إذا كان “قانونيًا” لغة محاسباتية ذكية، لكنها لا تلغي السؤال آكرر من يدفع ولماذا وبأي أثر..؟ الأكثر طرافة في المشهد، هو أن إعلامًا بنى شهرته على اقتحام الخصوصيات، ومطاردة السياسيين، وتحويل الفضائح إلى فرجة يومية تافهة، بات اليوم يتحسس من تصريح سياسي داخل البرلمان، ويطالب بتفعيل المساطر دفاعًا عن “المصداقية”. منذ متى أصبح البرلمان فضاءً للكلام المؤدب فقط..؟ ومن قرر أن النقد السياسي حين يقترب من الإعلام يتحول فجأة إلى “تضليل” و“مساس بالوقار”؟ المشكلة ليست في لجنة تقصي الحقائق، بل في انتقائيتها. فلماذا لا نفتح النقاش نفسه حول نموذج الإعلام ومحتواه، ومصادر تمويله، ووظيفته، وحدود تأثيره..؟ الإعلام ليس قاضيًا، والبرلمان ليس غرفة صدى، والمال العام ليس سرًا عائليًا. أما حين يطلب الإعلام من السياسة أن تصمت فاعلم أن القصة لم تعد صحافة بل شيء آخر؛ سيرة ذاتية مختصرة لرئيسٍ جاء بعد أن أُزيح الكرسي بدى في كل مرة يخرج فيها ليعطينا درسًا في الأخلاق، أتذكر أن الذاكرة على عكس بعض الجمعيات لا تُنتخب ولا تُعاد هيكلتها فالذاكرة تحتفظ، بصمت، بتفاصيل لا تموت، حتى حين يُعاد طلاء الواجهة. أتحدث هنا عن معلم محترم تحول إلى صحفي وصعد فجأة إلى رئاسة جمعية مهنية، بعد أن سُحب البساط بهدوء بالغ من تحت مؤخرات المؤسسين الحقيقيين، الذين ينكر البعض منهم انهم طعنوا من الخلف و بعض ٱخر يقول انه قدم استقالته من الجمعية..!! غريب علما انهم هم الذين أسّسوا واشتغلوا، ثم اكتشفوا متأخرين أن الجمعية صارت “غنيمة تنظيمية” لا ذكر فيها لكلمة الوفاء. لا أحد يتهم أحدًا بشيء. لكن الجميع يتساءل؛ كيف تحوّل عضو عادي إلى زعيم أوحد. ؟ وكيف اختفى المؤسسون من الصورة كما تختفي الأسماء من البلاغات..؟ وكيف صارت الجمعية، التي وُلدت للدفاع عن الصحافيين، منصة لإلقاء المحاضرات عليهم..؟ الأمر ليس جديدًا في هذا البلد؛ انقلابات ناعمة على المؤسسين الشرفاء بلا دبابات ولا بيانات رقم واحد، فقط كولسة واجتماعات بين اربعة جدران، أوراق، توقيعات، ثم رئيس جديد يتحدث بثقة المنتصر عن “الشرعية” و“القانون” و“النظام” المثير للسخرية أن هذا الصحفي بين ضفرين، تحوم حول مساره المهني أسئلة أكثر من الأجوبة، قرر اليوم أن يلعب دور شرطي الصحافة، يهدد، يتوعد، يلوّح بالسجن والمنع، ويوزع صكوك الشرعية كما لو كان آخر الأنبياء في مهنة فقدت بوصلتها.
من الغريب أن من لم يتحمل الاختلاف داخل جمعيته، يتحدث الآن عن حرية الصحافة ومن صعد على أكتاف غيره، يحاضر في الأخلاق المهنية ومن راكم النفوذ بالصمت والدهاء، يصرخ اليوم باسم “القانون” طبعًا، كل هذا مجرد انطباعات و أسئلة بريئة و ذاكرة سيئة الحظ؛ لكن السؤال الحقيقي هو هل من المنطقي أن يتحول تاريخ شخصي مليء بالمنعطفات الغامضة، إلى سلطة رمزية تُشهر في وجه الصحافيين والمواطنين..؟ وهل يُعقل أن يُطلب من المهنة أن تنحني، فقط لأن أحدهم جلس أخيرًا على الكرسي..؟ في الصحافة، كما في السياسة، الشرعية لا تُعلَّق على الجدران، ولا تُعلن في البلاغات، بل تُبنى بالثقة والثقة ولا تنبت في الانقلابات الهادئة. من انقلاب الجمعية إلى شرطة الصحافة؛ يطلب الحارس أوراق العابرين ليس غريبا او جديدًا في تاريخ المهن الهشة أن يتحول بعض أبنائها، بعد رحلة صعود غامضة، إلى أكثر الناس ولعًا بالنظام، وأكثرهم شغفًا بالعقاب. الجديد والغريب فقط هو أن يحدث ذلك باسم الصحافة وببطاقة مهنية.
نتحدث عن مالك قناة يعرفه الجميع، لا بما ألف و كتب، بل بالكرسي الذي انتهى إليه، أكرر بعد أن سُحب البساط بهدوء شديد من تحت المؤسسين الحقيقيين للجمعية التي يرأسها اليوم. مؤسسون اختفوا فجأة من الصورة، كما تختفي المبادئ من البلاغات، وكما يُمحى التاريخ حين يصبح عائقًا أمام الطموح. أنا هنا أذكّر. والتذكير ليس جريمة إلى حدود إشعار آخر من هناك، من تلك اللحظة الرمادية بدأ التحول الكبير؛ صحفي يتحول إلى حارس بوابة جمعية تتحول إلى جهاز ضبط والتنظيم الذاتي ينزلق بهدوء إلى ما يشبه شرطة الصحافة. شرطة بلا زي رسمي، لكن ببلاغات أشد قسوة من العصي. شرطة لا تعتقل، لكنها تلوّح بالسجن. شرطة لا تحاكم، لكنها تُكيّف وتُصنّف وتُجرّم. السوداوية في المشهد ليست في الفكرة، بل في الشخصنة؛ من لم يتحمل النقد والرأي الٱخر و التعدد داخل جمعيته، يريد اليوم تنظيم المجال العام.الذي صعد بانقلاب ناعم أراه اليوم يحاضر في الشرعية.










