كارثة في قلب مدينة آسفي، حين تتحوّل الأمطار إلى لائحة اتهام ضد المنتخبين

هناوي الهادي18 ديسمبر 2025Last Update :
كارثة في قلب مدينة آسفي، حين تتحوّل الأمطار إلى لائحة اتهام ضد المنتخبين

ما تعيشه عدد من المدن والأقاليم اليوم من هشاشة بنيوية وإقصاء تنموي ممنهج ليس قدراً ولا نتيجة تقلبات طبيعية، بل هو حصيلة سنوات من سوء التدبير، تتحمل فيها المجالس المنتخبة المسؤولية الأولى والكاملة، دون أن تُعفى الحكومة الفاشلة من نصيبها في هذا الإخفاق الجماعي.
منتخبون حولوا الجماعات الترابية إلى فضاءات لتصفية الحسابات وتوزيع الامتيازات، وتركوا البنية التحتية رهينة الارتجال والصفقات المشبوهة، بينما غابت الرؤية التنموية الحقيقية وحضرت منطق الريع والتبرير.

أما الحكومة، التي كان يفترض أن تقوم بدور التقويم والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فقد اختارت سياسة غض الطرف، مكتفية بالشعارات، تاركة المواطنين يواجهون نتائج الفشل وحدهم، بين طرقات مهترئة، وشبكات صرف عاجزة، ومشاريع معلّقة لا ترى النور إلا في الحملات الانتخابية.

في زمن تختلط فيه المسؤولية بالارتجال، يبرز اسم السيد محمد فطاح كاستثناء لافت، إطار كفء يشهد له مساره المهني بأن البصمة لا تُترك بالصدفة، بل تُصنع بالجديّة والحنكة وحسن التدبير. أينما حلّ وارتحل، كان حضوره مقروناً بالفعل لا بالشعار، وبالنتائج لا بالوعود. وليس من قبيل المجاملة أن تُعاد فيه الثقة المولوية السامية، بل لأنها ثقة مبنية على رصيد متراكم من الكفاءة، وعلى ما يحمله الرجل في جعبته من خبرة ورؤية ومسؤولية تجعل منه رقماً صعباً في معادلة التدبير الجاد وخدمة الصالح العام.

لم تكن فيضانات آسفي الأخيرة قدراً أعمى ولا مفاجأة طبيعية خارجة عن الحساب، بل جاءت كحلقة جديدة في مسلسل الإهمال البنيوي الذي راكمه منتخبون تعاقبوا على تدبير الشأن المحلي، وتركوا المدينة عارية أمام أولى زخّات المطر. ما حدث ليس “كارثة طبيعية”، بل فشل سياسي وتدبيري مكتمل الأركان، دفع ثمنه المواطنون أرواحاً وممتلكات، الغضب الشعبي الذي اجتاح المدينة لم يُوجَّه عبثاً.

أصابع الاتهام تشير بوضوح إلى المنتخبين، رؤساء جماعات ومجالس بلدية، الذين جعلوا من البنية التحتية ملفاً مؤجلاً، ومن الصيانة الدورية للمجاري المائية وبالوعات الصرف الصحي بنداً منسياً في دفاتر الوعود. سنوات من التغاضي عن التحذيرات المتكررة حوّلت المطر من نعمة إلى فاجعة، ومن احتمال يمكن تدبيره إلى مأساة كان يمكن تفاديها. ومن موقع مسؤوليتي الصحفية، أشكر السلطات المحلية الأمن الوطني والقوات المساعدة ورجال الوقاية المدنية وشغيلة الانعاش الوطني والمجتمع المدني واطر واطباء مديرية الصحة باسفي، و لا يمكن تحميل السلطات المحلية مسؤولية، ما حدث وعلى رأسها السيد العامل الحالي، الذي لا يتحمل وزر تركة ثقيلة من الاختلالات البنيوية التي ورثها. الرجل وجد أمامه واقعاً مثقلاً بقرارات انتخابية فاشلة، وبمنتخبين جعلوا من التدبير الترقيعي بديلاً عن التخطيط الاستباقي.

لذلك، أرى حسب وجهة نظري مطلب الساكنة والمجتمع المدني اليوم يجب ان يكون واضح، وهو مساءلة المنتخبين عن سنوات الإهمال، بدل البحث عن شماعات إدارية، الفيضانات كشفت أيضاً عن اختلالات خطيرة، من بينها العبث بمسارات الأودية الطبيعية، حيث جرى تغيير اتجاه تدفق وادٍ محلي نحو البحر بشكل كارثي، ما أدى إلى غرق أحياء ومناطق حيوية، من ضمنها منطقة “الشعبة”. هذه ليست أخطاء تقنية معزولة، بل قرارات أو لا-قرارات سياسية، تعكس غياب رؤية حضرية تحترم الطبيعة ولا تعاديها. وإذا كان الإهمال المحلي مسؤولاً مباشراً، فإن مسؤولية الدولة تبقى قائمة من زاوية أوسع، استناداً إلى الدستور، الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة ويُقر بحق المتضررين في التعويض عن الأضرار الناتجة عن إهمال المرافق العمومية. الخبراء يجمعون اليوم على أن ما وقع يستوجب تفعيل هذه المقتضيات دون تردد. المطالب لم تعد تحتمل التسويف،
السيد العامل المحترم مطالب بفتح تحقيق فوري ومعمق يحدد فيه المسؤوليات بدقة، ويُخرج ملف فيضانات آسفي من دائرة النسيان الموسمي، كما يجب على الذين قصروا وكانوا السبب في الكارثة تعويض الضحايا، بعيداً عن منطق الإحسان والانتظار. كما أن السيد العامل مطالب أن يعمل على القطع مع الحلول الترقيعية، والانتقال إلى إصلاحات هيكلية حقيقية، تقوم على سياسات وقائية، واحترام التخطيط العمراني، وصيانة البنية التحتية قبل أن تداهمها الكوارث، ما جرى في آسفي ليس إنذاراً أخيراً فقط، بل اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فإما أن تتحول الفيضانات إلى نقطة تصحيح شجاعة، أو تبقى مجرد رقم جديد في سجل الإخفاقات الانتخابية.
 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News