
ما وقع ليس تحولًا دبلوماسيًا عابرًا، بل فضيحة سياسية مكتملة الأركان. جنوب إفريقيا، التي شكّلت لعقود أحد أعمدة اللوبي الجزائري داخل القارة الإفريقية، انقلبت على الخطاب الذي روّج له النظام الجزائري وأعلنت على لسان رئيسها سيريل رامافوزا أن مقترح الحكم الذاتي المغربي هو الحل الواقعي والوحيد. بهذا التصريح، سقطت ورقة كانت تُستعمل لتضليل الرأي العام الإفريقي والدولي.
لنسَمِّ الأشياء بأسمائها، هذا سقوط مباشر لخطة عبد المجيد تبون، وفشل ذريع للدبلوماسية التي قادها رمطان لعمامرة ومن جاء بعده بنفس العقلية، دبلوماسية قائمة على شراء المواقف، لا على قوة الحجة. مليارات الدولارات صُرفت، سفارات فُتحت فقط لخدمة ملف الصحراء، ومنابر إعلامية جُنّدت والنتيجة صفر حليف استراتيجي ينسحب من الصف، ويعترف بالحل المغربي، أما جبهة البوليساريو الارهابية التي يقودها اليوم إبراهيم غالي، فقد تلقت ضربة سياسية لا تقل قسوة. حين تعترف دولة كانت داعمًا تاريخيًا بأن الحل يوجد داخل السيادة المغربية، فهذا إعلان غير مباشر بأن البوليساريو لم تعد تمثل شيئًا سوى عبء سياسي وأمني. لا “شعب محرَّر”، ولا “استفتاء قادم”، ولا ” تقرير مصير“. ولا شرعية خارج البيانات المعلّبة، قرار مجلس الأمن 2797، الذي أعلن رامافوزا دعمه صراحة، لم يترك مجالًا للتأويل، الاستفتاء انتهى، ودفن معه خطاب الجزائر الرسمي الذي ظل يكرره تبون في كل خرجاته، وكأن الزمن متوقف عند سبعينيات القرن الماضي. اليوم، حتى من كانوا يصفقون لذلك الخطاب بدأوا ينسحبون واحدًا تلو الآخر، التحقيق في خلفيات هذا الانقلاب يكشف حقيقة مُرّة، بينما قاد جلالة الملك محمد السادس نصره الله دبلوماسية هادئة، متماسكة، تراكمية، مبنية على الشرعية الدولية والتنمية الميدانية في الأقاليم الجنوبية، اختار النظام الجزائري سياسة الهروب إلى الأمام، وتحويل قضية إقليمية إلى مشروع بقاء داخلي لتبرير القمع، وتكميم الأفواه، وصرف الأنظار عن أزمات الغاز، والبطالة، وانسداد الأفق السياسي. جنوب إفريقيا لم تغيّر موقفها حبًا في المغرب، بل احترامًا للواقع. الواقع الذي يقول إن المغرب استثمر، بنى، أقنع، واشتغل داخل المؤسسات الأممية، بينما راهنت الجزائر على الصراخ، والابتزاز العاطفي، وتحريك واجهات انفصالية فقدت مصداقيتها. اليوم، الأسئلة التي يطرحها تحقيق جهاز ترونس بريس محرجة، ماذا بقي لعبد المجيد تبون ليبرره لشعبه بعد انهيار آخر الحلفاء..؟ وبأي خطاب سيخرج إبراهيم غالي بعد أن تخلت عنه عواصم كانت تُعد “مضمونة”..؟ ومن سيُحاسب داخل النظام الجزائري على هذا النزيف السياسي والمالي..؟الثابت أن الملف خرج نهائيًا من يد الجزائر، وأن ورقة جنوب إفريقيا احترقت. وما نشهده اليوم ليس انتصار تصريح، بل هزيمة مشروع كامل بُني على العناد والوهم. أما المغرب، فقد حسم المعركة حيث يجب أن تُحسم، في الشرعية، في المؤسسات الدولية، وفي الواقع على الأرض. وما تبقى مجرد عدٍّ للخسائر. في المحصلة، ما يواجهه عبد المجيد تبون اليوم ليس مؤامرة خارجية كما يحاول تسويقها، بل محاكمة سياسية للتاريخ. رئيس بلا قرار، يردد ما يُملى عليه من خلف الستار، ويقود بلدًا بثقل الجزائر إلى الهامش بسبب عناد أعمى وملف صُنع فقط لخدمة جنرالات فقدوا البوصلة. أما إعلام العسكر من قنوات الصرف الرسمية إلى أبواق إلكترونية مأجورة، فقد انكشف عجزه بالكامل، صراخ بلا تأثير وتهديدات بلا وزن، وخطاب خشبي لم يعد يقنع حتى الداخل الجزائري قبل الخارج. يهاجم المغرب ليلًا ونهارًا، لكنه يعجز عن تفسير لماذا يتساقط الحلفاء واحدًا تلو الآخر، ولماذا أصبحت أطروحة الحكم الذاتي المغربية تحظى باعتراف دولي متزايد. الحقيقة المؤلمة لتبون وجنرالاته أن العالم تجاوزهم، وأن ملف الصحراء لم يعد ورقة ضغط بل شاهد إدانة على إفلاس مشروعهم. وما دام القرار مختطفًا، والإعلام موجَّهًا، والواقع مُنكَرًا، فإن الهزائم ستتوالى بصمت العالم وعلنية الفشل.








