رجال السلطة الشرفاء الحلقة التي حاول البعض استهدافها دون فهم دورها

هناوي الهادي8 ديسمبر 2025Last Update :
رجال السلطة الشرفاء الحلقة التي حاول البعض استهدافها دون فهم دورها

حين تتحوّل السياسة لدى بعض هواتها إلى “كلخ مبين”  يتحول الارتجال السياسي إلى عبء على الدولة

في عزّ النقاش العمومي الدائر حول أداء الحكومة وتوازنات المشهد الحزبي، لا تزال خرجات وزير العدل عبد اللطيف وهبي وتصريحات القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار محمد أوجار تُشعل الجدل من جديد. وهبي، بخطابه الصدامي وخرجاته الارتجالية، وأوجار بتصريحاته حول “المغرب العميق” وانتقاداته غير المسبوقة لرجال السلطة، أعادا إلى الواجهة أزمة الثقة بين الشارع والطبقة السياسية، هذه السلوكيات المتكررة تُغذي الإحساس العام بأن المشهد السياسي يعيش حالة فوضى فكرية وتواصلية، وأن جزءاً من الخطاب الرسمي للحكومة بات بعيداً عن لغة الدولة ورزانتها، وأقرب إلى نقاشات انتخابية ضيقة تُسيء للمؤسسات أكثر مما تخدمها، حين يظن البعض أن ذاكرة الشعب قصيرة، لا يزال جزء من الرأي العام يعتبر أن استمرار هذه الحكومة، بهذه التركيبة المتنافرة وبهذه الارتجالية في الكلام والممارسة، يمثل جرحاً في جسد الثقة السياسية. ورغم محاولات البعض إقناع الناخبين بأن “الكلام انتهى”، فإن الشارع المغربي لم ينسَ تراكمات الوعود المجهضة، ولا الخطابات التي عمّقت الهوة بين المواطن وصنّاع القرار. ويرى عدد من المتابعين أن أي تصحيح محتمل للمسار يبقى بيد المؤسسة الملكية، بحكم دورها الدستوري كضامن لتوازن السلطات. ويعتبر هؤلاء أن إعادة ترتيب البيت السياسي، عبر تشكيل حكومي جديد أو إعادة تقييم تجربة البرلمان، قد يكون شكلاً من أشكال ردّ الاعتبار للإرادة الشعبية.

(هذه جملة تحليلية تنقل وجهات نظر موجودة في النقاش العمومي دون تبنّيها أو الدعوة إليها.)

المشهد السياسي المغربي الحالي حيث يكمن الشيطان في التفاصيل

من يتأمل في المؤتمرات الحزبية، وفي أداء المنتخَبين، وفي الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات المقبلة، يدرك أن الخلل ليس ظرفياً ولا تقنياً، بل بنيوي. فقد تحوّل جزء من المؤسسات الحزبية إلى فضاءات تُدار بمنطق الولاءات لا بمنطق الكفاءة، وهي أزمة عمّقت الفجوة بين الأحزاب والمواطنين، منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس نصره الله العرش، رسّخ القرب من المواطنين واختار أن يظل فوق التجاذبات الحزبية. لكن السنوات الأخيرة كشفت عن انحدار خطير في مستوى الممارسة السياسية لدى بعض القيادات والمنتخبين، مما شوّه صورة الحياة الحزبية التي كانت في عهد الزعماء التاريخيين مدرسة للتكوين

والنقاش والفكر، أزمات الأحزاب من سوء التسيير إلى تراجع القيم السياسية، حوّلت ممارسات بعض القيادات الحزبية التي وصلت إلى مواقع المسؤولية دون تجربة فكرية أو تكوين سياسي حقيقي، الأحزاب إلى واجهات انتخابية صرفة، تُنتج منتخَبين يفتقر الكثير منهم للكفاءة اللازمة لتدبير الشأن المحلي أو التشريعي. وبينما تتراجع جودة النخب، تبقى لغة التخوين والارتباطات الظرفية هي السائدة، في مشهد يفتقد إلى العمق وإلى المدرسة التي ورثها المغاربة عن قيادات وازنة راكمت الشرعية عبر النضال والتأطير، خطابات وهبي وأوجار ليست إلا تجلياً من تجليات هذا التدهور. بدل أن تكون التصريحات مناسبة لتحصين هيبة الدولة وتقوية الثقة، تحوّلت إلى مادة انقسامية تضرب في عمق المؤسسات وتستفز فئات واسعة من المواطنين.

منذ بداية التجربة الديمقراطية المغربية. ضل بعض المنتخبين وقادة الأحزاب ينظرون بعين الريبة إلى مؤسسة الوالي والعامل والكاتب العام والباشا ورئيس الدائرة والقائد. لكن التجربة أثبتت أن هؤلاء يشكّلون العمود الفقري للإدارة الترابية، وأن حضورهم ضروري لاستمرار الدولة، بمعزل عن التحالفات الحكومية. بينما ينشغل عدد من المنتخبين بصراعات شخصية أو حسابات انتخابية ضيقة، يواصل رجال السلطة عملهم اليومي في تسيير الملفات، وحلّ الإشكالات، وضمان انتظام المرفق العام. المفارقة أنّ جزءاً كبيراً من المنتخبين الذين ينتقدون الإدارة الترابية لا يمتلكون تكويناً إدارياً أو سياسياً يؤهلهم لممارسة مسؤولياتهم بكفاءة.

خلاصة القول أن المشهد السياسي المغربي يعيش أزمة عمق لا أزمة واجهة. خرجات وهبي، تصريحات أوجار، الارتباك الحزبي، ضعف الكفاءات المنتخبة، التوتر مع رجال السلطة كلها عناصر ليست معزولة، بل حلقات في سلسلة تُظهر أن البلاد في حاجة إلى إعادة بناء الثقة، وإعادة تقييم أداء الفاعلين، وإعادة النظر في أسلوب تدبير المجال السياسي. ويبقى السؤال مفتوحاً، هل ستكون مرحلة 2026 المقبلة لحظة تصحيح تاريخي يعيد الاعتبار للمؤسسات، أم أننا سنواصل الدوران داخل الحلقة المغلقة نفسها..؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News