زلزال سيضرب بعض المجالس

هناوي الهادي5 نوفمبر 2025Last Update :
زلزال سيضرب بعض المجالس

في مغرب المفارقات، لا شيء يدهش بعد اليوم. فبينما يُزج ببعض المواطنين في السجون لأخطاء بسيطة، يواصل رؤساء مجالس جماعية صدرت في حقهم أحكام بالسجن النافذ مهامهم وكأن شيئًا لم يحدث، يتجولون في سيارات الدولة، يترأسون الاجتماعات، يوقعون المراسيم، ويمنحون الدعم للجمعيات الموالية لهم، تحت شعار سحري صار يُبرّر كل شيء وهو أن الحكم غير نهائي والاستئناف كفيل بتبييض الوجوه..!” إنها كوميديا سياسية من طراز رفيع، حيث يتحول الحكم القضائي من عقوبة إلى وسام شرف، ومن إدانة إلى مرحلة عادية في مسار المنتخب الناجح. تقرير وزارة الداخلية لسنة 2025 كشف عن أرقام صادمة: 302 منتخبًا جماعيًا متابعون قضائيًا، من بينهم 52 رئيسًا حاليًا و69 رئيسًا سابقًا و57 نائبًا للرئيس، إلى جانب 124 عضوًا جماعيًا، أرقام تترجم واقعًا مقلقًا، عنوانه “المنتخب المتابع قضائيًا. مواطن من الدرجة الممتازة”، الوزارة لم تقف مكتوفة الأيدي، إذ قررت إقالة 63 منتخبًا من مهامهم، بينهم 20 رئيسًا و36 نائبًا للرئيس، بسبب حالات تنافٍ صارخة، بينما 216 ملفًا للعزل أحيلت على المحاكم الإدارية. بل وتم حل 8 مجالس جماعية بعد أن تحولت إلى بؤر للصراع والعبث السياسي، لكن رغم ذلك، يظل المشهد العام كما هو: الوجوه ذاتها، الخطابات ذاتها، والنتائج ذاتها، الأدهى من ذلك أن بعض المنتخبين صاروا يمنحون الدعم المالي لجمعياتهم الخاصة، ويستغلون الملك الجماعي لمحلاتهم التجارية، أو يشتغلون في شركات متعاقدة مع جماعاتهم، دون أن يرفّ لهم جفن، دورية وزارة الداخلية بتاريخ 17 مارس 2022 حول تضارب المصالح لم تكن بالنسبة لهم سوى “توصية أدبية”، شأنها شأن كل النصوص التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، في مشهد أقرب إلى المسرحية الساخرة، أنهت الوزارة مهام رئيس ونائب رئيس لأنهما يقيمان خارج الوطن..! قرار قانوني لا شك، لكنه يطرح سؤالًا موجعًا، لماذا يُقال الغائبون جغرافيًا، ويُترك الغائبون قانونيًا وأخلاقيًا يمارسون مهامهم بكل اطمئنان..؟ اليوم، تتحدث الكواليس عن زلزال سياسي صامت داخل الجماعات الترابية. تقارير تُنجز، متابعات تُفتح، وتحقيقات تُدار بهدوء. لكن إلى متى سيظل هذا الزلزال صامتًا..؟
 وإلى متى سيبقى المنتخب المحكوم بالسجن رمزًا للنفوذ، بدل أن يكون عبرة للمساءلة..؟ لقد صار من حق المغاربة أن يتساءلوا، 
هل نحن أمام دولة قانون فعلاً، أم أمام دولة استئناف مفتوح إلى أجل غير مسمى..؟ ما يجري في بعض الجماعات والمجالس لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل منظومة كاملة تحمي الفساد باسم الشرعية الانتخابية. منتخبون بلا خجل، يتحدثون عن النزاهة كما يتحدث اللص عن الأمانة، ويتحدثون عن التنمية كما يتحدث العطّار عن الطب الحديث، ولأن الوقاحة السياسية أصبحت جزءًا من الهوية، فإنهم ما زالوا يحملون وجوههم نفسها إلى الكاميرات، يبتسمون، ويَعِدون بالإصلاح وكأنهم لم يكونوا أصل هم الداء. فهل يكون هذا الزلزال بداية تنظيف حقيقي، أم مجرد رجّة خفيفة تمرّ دون أثر..؟ الجواب  كالعادة رهنٌ بمدى صمود الكراسي، لا بصلابة القوانين.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News