
في غضون نهاية هذا الشهر، اعطى السيد عامل إقليم بنسليمان المحترم تعليماته لإطلاق حملة تحت شعار “تحرير الملك العمومي”، في مشهدٍ بات يتكرر، وكأن هذه القضية هي مربط الفرس في تدبير الشأن المحلي. غير أن الرأي العام بالإقليم يتساءل اليوم وبحدة من يحرّر المجالس المنتخبة نفسها من الفساد قبل الحديث عن تحرير الأرصفة..؟ الحقيقة أن مبادرة تحرير الملك العمومي محمودة ، لكن يجب ان لا ننسى أن استغلال الملك العمومي لم يكن يوماً عشوائياً فقط، بل نتيجة ترخيصات قانونية مشبوهة منحتها جماعات ترابية غارقة في الزبونية، حيث تُمنح الرخص للبعض دون معايير واضحة، وتُسحب من آخرين لأسباب غير مفهومة. المفارقة أن من يُفترض فيهم حماية الملك العمومي هم رؤساء المجالس أنفسهم من وقعوا التراخيص التي شرعنت احتلاله.
الأدهى من ذلك أن بعض رؤساء الجماعات الذين يُفترض أن يكونوا قدوة في احترام القانون، متابعون قضائياً بتهم خطيرة تتعلق باختلاس المال العام وتبديده، ومع ذلك يواصلون تسيير الشأن المحلي، في تحدٍّ صارخٍ لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فكيف يمكن للسلطة الإقليمية أن تتحدث عن “تحرير الملك العمومي”، بينما تتغاضى عن تحرير القرار المحلي من قبضة الفساد..؟
أين كانت السلطات السابقة حينما تم تفويت أجزاء من الملك العمومي بقرارات موقعة ومختومة من رؤساء الجماعات..؟ وأين هي لجان المراقبة التي يفترض أن تتابع مدى احترام شروط الاستغلال..؟ أسئلة مشروعة تُطرح بإلحاح، لأن الحملة الحالية تبدو في نظر كثيرين انتقائية وانتقامية أكثر منها إصلاحية والأغرب من كل ذلك، أن السلطات تطارد باعة الخضر والفواكه البسطاء الذين لا يملكون سوى عرباتهم أو صناديقهم البسيطة، بينما الملك العمومي الحقيقي تستحوذ عليه لوبيات وأصحاب نفوذ. الغريب أن المواطن العادي، الشيخ والمقدم، ورجل الأمن، والمستشار الجماعي، وحتى بعض الرؤساء أنفسهم يشترون يومياً من أولئك الباعة الذين تُطاردهم السلطة..!
فأي منطق هذا الذي يُعاقب الضعيف ويُحصّن المتنفذ..؟
إن تحرير الملك العمومي الحقيقي لا يبدأ بإزالة العربات وتحرير الارصفة والعشوائيات، بل بتطهير المؤسسات المنتخبة أولا من الفساد، وبفتح ملفات الرخص الممنوحة في ظروف غامضة، ومحاسبة من أصدرها ومن تستّر عليها دون ذلك، ستظل هذه الحملات مجرد استعراض موسمي يهدف لتلميع الصورة لا أكثر.
رسالة مفتوحة للسادة المحترمين وزير الداخلية والوالي المدير العام للجماعات الترابية وعبرهم لوالي الجهة وعامل الإقليم

إن الرأي العام المحلي ينتظر من جنابكم يا سعادة والي الجهة وعامل إقليم بنسليمان، تطبيق القانون بصرامة على الجميع دون استثناء، وفتح ملفات الجماعات التي منحت تراخيص استغلال للملك العمومي خارج الضوابط القانونية. فالمطلوب اليوم ليس فقط تحرير الشوارع، بل تحرير المؤسسات من قبضة الفاسدين والمفسدين الذين حولوا المرفق العام إلى وسيلة للإثراء غير المشروع، إن المسؤولية اليوم تقتضي الجرأة في اتخاذ القرار، ووقف من يُسيئون لصورة الدولة وهيبتها من داخل المؤسسات المنتخبة. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد مقاعد المقاهي والعربات المزالة من الشوارع، بل بعدد الملفات المفتوحة أمام القضاء وعدد الفاسدين وعدد المنتخبين الذين تم عزلهم مهما كانت مواقعهم..









