لا يا سادة الوطن وطن الجميع والملك ملك كل المغاربة ، ولا يجب أن يتحول التعيين و الثقة الملكية إلى مظلة للهروب من محاسبة المسؤول المنتخب والوزير لأنه «حظي بثقة جلالة الملك»
في بعض دهاليز التدبير العمومي، يبدو أن عبارة «حظي بثقة جلالة الملك» لم تعد مجرد إشارة إلى التعيين وتحمل المسؤولية، بل تحولت لدى بعض المسؤولين، إلى بطاقة ذهبية تستخرج عند الحاجة، ودرع واقٍ يُرفع في وجه كل سؤال محرج، وكأن مجرد ذكر اسم الملك كافٍ لإسكات النقاش وإغلاق القضايا والملفات وتعليق القانون إلى إشعار آخر.
ما إن يُطرح سؤال عن حصيلة مسؤول، أو يُثار نقاش حول جريمة اختلاس أو قرار إداري، أو يُسجَّل تعثر في مشروع عمومي، حتى يخرج إلينا أحدهم بعبارته المفضلة ليردد الاسطوانة المشروخة «هاذا راه رئيس منتخب صاحب “مول الباش” وهو من جهة الحاج الذي عين وزيرا وحظي بثقة جلالة الملك».
وكأننا أمام تعويذة سياسية سحرية، لا أمام منتخب مسؤول عمومي ولو يكون وزيرا يفترض أن يخضع كمنتخب للمساءلة والتقييم والمحاسبة والعقاب إن تبث جرم في حقه. والطريف في الأمر أن بعض هؤلاء يتصرفون وكأن الثقة الملكية صك على بياض، لا تكليف مشروط بحسن الأداء، وكأن التعيين في منصب مسؤولية يمنح صاحبه حصانة سياسية وإدارية، لا التزاماً مضاعفاً بخدمة المواطنين واحترام القانون. لكن، منذ متى أصبحت الثقة الملكية درعا و بديلاً عن الكفاءة..؟ ومنذ متى صار التعيين جواباً عن أسئلة الصحفيين والقضاة وعن الحصيلة..؟ إن الثقة، في منطق الدولة والمؤسسات، ليست نهاية المساءلة، بل بدايتها. فالمسؤول الذي فاز حزبه في الانتخابات وحظي بالتعيين لا يطلب منه أن يظل يكرر أنه عين واستقبل، بل أن يبرهن على أنه يستحق المنصب من خلال النتائج، وأن يقدم الحساب عن القرارات التي اتخذها، والموارد التي دُبّرت تحت إشرافه، والوعود التي قُطعت باسمه، والاختلالات التي وقعت في نطاق مسؤوليته.
أما أن يتحول التعيين إلى حجة جاهزة لتلجيم وإغلاق أفواه الصحفيين والقضاة، فذلك يشبه أن يتسلم شخص مفاتيح الدولة والمؤسسة، ثم يرفض تقديم كشف حساب عن تدبيرها بحجة أن جهة عليا هي التي سلمته المفاتيح، منطق غريب، لا يستقيم إلا في ثقافة ترى في المنصب امتيازاً شخصياً، لا أمانة عمومية. حين يُقحم اسم جلالة الملك نصره الله في كل صغيرة وكبيرة، الأكثر إثارة للسخرية أن بعض المسؤولين لا يكتفون بالاستناد إلى الثقة الملكية عند الحديث عن تعييناتهم، بل يقحمون اسم جلالة الملك في كل مناسبة، حتى في القضايا التي لا تحتاج إلا إلى جواب إداري واضح، أو توضيح قانوني بسيط، أو اعتراف مسؤول بوجود خلل. فبدلا من تقديم الأرقام، تُقدَّم العبارات. وبدلاً من عرض الحصيلة، تُستحضر الثقة. وبدلاً من تفسير أسباب التعثر، يُستدعى التعيين الملكي إلى قاعة النقاش، وكأنه موظف إضافي في ديوان تبرير الإخفاقات.
والحال أن المؤسسة الملكية، بما تمثله من رمزية دستورية، ليست في حاجة إلى من يوظف اسمها لتبرير كل قرار أو التهرب من كل سؤال. كما أن احترام الملك لا يعني تحويل اسمه إلى مظلة سياسية تحجب المسؤوليات، بل يقتضي احترام المؤسسات والقواعد الدستورية والقانونية التي تنظم عمل الدولة. إن استحضار الثقة الملكية في غير محلها لا يرفع من قيمة المسؤول، بل يضع سؤالاً مشروعاً حول فهمه لمعنى المسؤولية وحدودها. فالمسؤول الواثق من حصيلته يجيب بالأرقام والوقائع، أما من يستبدل الجواب بعبارة «حظيت بثقة جلالة الملك»، فكأنه يطلب من المواطنين أن يكتفوا بقراءة قرار تعيينه، دون أن يسألوا عما أنجزه بعد ذلك. وربط المسؤولية بالمحاسبة ليس ربط المسؤولية بالتبرير، لقد جعل الدستور المغربي مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من المرتكزات الأساسية للتدبير العمومي. وهو مبدأ لا يحتاج إلى تأويلات انتقائية، ولا يقبل أن يتحول إلى شعار يُرفع في الخطب ويُنسى عند أول اختبار.
فالمسؤولية تعني أن هناك صلاحيات تُمنح، ومهام تُحدد، ونتائج تُنتظر، وأخطاء قد تستوجب التوضيح أو التصحيح أو المساءلة، وفقاً للقانون وطبيعة المسؤولية والأدلة المتاحة. ولا يعني ذلك أن كل تعثر دليل على فساد، أو أن كل قرار غير موفق يستوجب العقوبة، فالمحاسبة الجادة تقتضي التمييز بين الخطأ الإداري، وسوء التقدير، والتقصير، والمخالفة القانونية، مع احترام قرينة البراءة وضمانات الدفاع. لكنها، في المقابل، لا تسمح بتحويل المنصب أو طريقة التعيين إلى حصانة من السؤال. فالقانون لا يتغير بحسب رتبة المسؤول، ولا تتوقف قواعد المساءلة عند أبواب الوزارات والإدارات. وإذا كان المواطن مطالباً باحترام القانون وأداء واجباته وتحمل نتائج أفعاله، فإن المسؤول مطالب، من موقعه، بقدر أكبر من الالتزام، لأنه يتصرف في صلاحيات وموارد ومصالح تتعلق بالمجتمع بأسره.
أما أن يُطلب من المواطن تقديم الوثائق والتوضيحات عن أبسط إجراء، بينما يُعفى المسؤول من تقديم تفسير عن قرارات تمس حياة الآلاف، فذلك يفتح الباب أمام ازدواجية غير مقبولة في فهم دولة المؤسسات. الثقة تكليف… وليست شهادة إعفاء! إن الثقة الملكية، حين تُمنح لمسؤول، ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تكليفاً بخدمة الوطن والمواطنين، لا امتيازاً يسمح لصاحبه بالوقوف فوق النقد. والتعيين في حد ذاته لا يمثل حكماً نهائياً على الأداء، بل بداية مرحلة يُفترض أن تُقاس نتائجها بمعايير واضحة. المسؤول الذي يربط شرعيته العملية بإنجازاته، لا يحتاج إلى استدعاء اسم جلالة الملك في كل تصريح. يكفيه أن يقدم عملاً قابلاً للتقييم، وأن يتقبل النقد باعتباره جزءاً من الحياة المؤسساتية، لا مؤامرة على المنصب أو تشكيكاً في جهة التعيين.
أما تحويل الثقة الملكية إلى لازمة لغوية تتكرر كلما ضاق هامش التبرير، فليس سوى خلط بين المقام والوظيفة، وبين الاحترام المشروع للمؤسسة الملكية ومحاولة الاختباء وراء جلالة الملك والاحتماء بالملكية وبرمزيتها في مواجهة أسئلة الصحافة والمجتمع المدني والمواطنين. المواطن يا سادة ليس درجة ثانية في دولة القانون، إن جوهر دولة المؤسسات هو أن المسؤول، مهما علا منصبه، يظل خاضعاً للقانون، وأن المواطن، مهما كانت بساطة موقعه الاجتماعي، يتمتع بحقوقه ويؤدي واجباته وفق القواعد نفسها. ولا يستقيم أن يُطلب من المواطن الانضباط للقانون، بينما يُعامل المنتخب والوزير وكأنه استثناء دائم من قواعد المساءلة. كما لا يستقيم أن تتحول المناصب إلى جزر مغلقة، لا يصل إليها النقد، ولا تُطرح بشأنها الأسئلة، ولا يُطلب من شاغليها تقديم الحساب. فالمسؤول ليس فوق المواطن، بل هو في موقع خدمة عامة يفرض عليه التزامات خاصة. والوزارة ليست ملكية شخصية، والمنصب ليس إرثاً سياسياً، والتعيين ليس صك براءة مسبقاً من كل تقصير محتمل. ومن هنا، فإن الدفاع الحقيقي عن هيبة المؤسسات لا يكون بإسكات الأسئلة، بل بالإجابة عنها ولا يكون بتضخيم رمزية المنصب، بل بإظهار أثره في حياة الناس ولا يكون بتكرار أن المسؤول حظي بالثقة، بل بإثبات أنه يؤدي الأمانة التي أُسندت إليه.
الخلاصة: من حظي بالثقة فليقدم الحصيلة في النهاية، لا أحد ينازع مسؤولاً في حقه في الاعتزاز بالثقة التي حظي بها، لكن لا أحد مطالب أيضاً بأن يعتبر هذا الاعتزاز بديلاً عن النتائج. فالثقة الملكية ليست رخصة للتهرب من الأسئلة، ولا حصانة من النقد، ولا جداراً عازلاً بين المسؤول والمحاسبة. إنها مسؤولية ينبغي أن تُترجم إلى عمل، وأن تُقاس بآثارها، وأن تظل خاضعة للقواعد الدستورية والقانونية التي تحكم تدبير الشأن العام. ولعل أكثر ما يحتاج إليه بعض المسؤولين اليوم هو إعادة قراءة بسيطة لمعنى المنصب العمومي: لقد حظيت بالثقة كي تعمل، لا كي تتذرع بالثقة، وكي تقدم الحصيلة، لا كي تجعل التعيين حصيلة وكي تخدم المواطن، لا كي تطلب منه التصفيق لقرار تعيينك. أما جلالة الملك ” عطيوه التيقار” فليس مطلوباً أن يتحول اسمه إلى جواب جاهز عن كل سؤال ومساءلة، ولا إلى غطاء لكل تعثر، ولا إلى شماعة تُعلَّق عليها مسؤوليات يفترض أن يتحملها أصحابها. ففي دولة المؤسسات، لا تكفي عبارة «حظي بثقة جلالة الملك» لإغلاق الملف والنقاش بل يبدأ النقاش الحقيقي من اللحظة التي يُسأل فيها المسؤول، ماذا أنجزت و ماذا أخفقت فيه..؟ وما تفسيرك لما وقع..؟