بنسليمان «عاصمة إعادة الانتخابات».. حين تتحول صناديق الاقتراع إلى ملف دائم أمام القضاء الدستوري.!

هناوي الهادي22 أكتوبر 2026Last Update :
بنسليمان «عاصمة إعادة الانتخابات».. حين تتحول صناديق الاقتراع إلى ملف دائم أمام القضاء الدستوري.!

الانتخابات بين نزاهة الاقتراع وشبهة الخروقات المتكررة بجهة الدار البيضاء.

ليست خطورة الانتخابات في أن يتنافس المرشحون على أصوات الناخبين، ولا في أن يخسر حزب ويفوز آخر، فذلك من صميم الممارسة الديمقراطية، إنما تكمن الخطورة الحقيقية حين تصبح نتائج صناديق الاقتراع موضوع طعون متكررة، وتتحول بعض الدوائر الانتخابية إلى عناوين دائمة للنزاع حول سلامة العملية الانتخابية. وإقليم بنسليمان للأسف، يقدم نموذجاً يفرض فتح نقاش جدي حول مستقبل الثقة في الانتخابات، ومدى احترام قواعد التنافس الديمقراطي.
ففي الوقت الذي يحتاج فيه المغرب إلى ترسيخ الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتعزيز مصداقية الاقتراع باعتباره أساس الشرعية الديمقراطية، يعود اسم دائرة بنسليمان إلى الواجهة من جديد، على خلفية إيداع حزب العدالة والتنمية مذكرة طعن أمام المحكمة الدستورية بشأن الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، في خطوة قد تفتح الباب أمام احتمال إعادة هذه الانتخابات، إذا ما ثبتت قانوناً الخروقات التي يستند إليها الطعن. وبحسب المعطيات المتداولة بشأن هذا الملف، فإن مرشح الحزب يراهن على قرار قضائي قد يقود إلى إعادة الاقتراع للمرة الثامنة في تاريخ الدائرة، وهو رقم، إن تأكدت دلالته وفق السجل الانتخابي والقضائي، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل عابر في أرشيف الانتخابات، بل مؤشراً يستدعي مساءلة التجربة الانتخابية بالإقليم، والبحث في الأسباب التي جعلت نتائجها عرضة لهذا العدد من الطعون والإعادات.
إن بنسليمان ليست في حاجة إلى انتخابات تتكرر بقدر حاجتها إلى انتخابات تحظى بالثقة، ولا إلى صناديق اقتراع تفرز نتائج سرعان ما تصبح موضوع نزاع، بل إلى منافسة نزيهة تنتهي بإعلان النتائج واحترامها، ما لم يثبت القضاء خلاف ذلك. فالديمقراطية لا تقاس فقط بعدد الأحزاب المتنافسة، ولا بعدد المرشحين الذين يرفعون شعارات الإصلاح، وإنما بمدى احترام القانون، وصيانة إرادة الناخبين، وضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
ولعل العودة إلى تاريخ الدائرة الانتخابية ببنسليمان تكشف أن الجدل حول نتائج الاقتراع ليس وليد اليوم. فقد ارتبطت انتخابات سابقة بالإقليم بإجراءات قضائية وإعادات انتخابية، من بينها محطة سنة 1993 التي يعرف الكل تفاصيلها. غير أن الحديث اليوم  عن إعادة الانتخابات للمرة الثامنة يظل مرتبطاً بالتحقق من السجل الدقيق للأحكام والقرارات السابقة، حتى لا تختلط الوقائع المؤكدة بالتقديرات المتداولة. ومن هنا، فإن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بما إذا كانت المحكمة الدستورية ستستجيب لطعن حزب العدالة والتنمية، بل بما ستكشفه هذه القضية عن مدى احترام القواعد المنظمة للانتخابات. فالمحكمة لا تحكم بمنطق الرغبات الحزبية، ولا تستجيب لضغط الخاسرين أو انتظارات الفائزين، وإنما تفصل وفق الدستور والقانون والأدلة المعروضة عليها. وإذا ثبتت الخروقات المؤثرة التي يعتد بها القانون، فإن ترتيب الآثار القانونية اللازمة يصبح ضمانة لسيادة القانون، لا انتصاراً لحزب على آخر.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الديمقراطية ليس خسارة مرشح لمقعد برلماني، بل خسارة المواطن ثقته في أن صوته سيحتسب كما أدلى به. وحين يتكرر النزاع حول نتائج دائرة انتخابية، يصبح واجباً على جميع الأطراف، من مرشحين وأحزاب وسلطات معنية بتنظيم الانتخابات، أن تتحمل مسؤوليتها في حماية نزاهة الاقتراع، كل في حدود اختصاصه، بعيداً عن الاتهامات المجانية والتبريرات الجاهزة.
أما بنسليمان، التي يترقب متابعو شأنها السياسي مآل الطعن الجديد، فلا تحتاج إلى لقب «عاصمة إعادة الانتخابات»، بقدر ما تحتاج إلى استعادة الثقة في العملية الانتخابية، وإغلاق الباب أمام كل ممارسة يمكن أن تمس بإرادة الناخبين.
فهل تكون المحكمة الدستورية أمام محطة جديدة تستوجب إعادة الاقتراع، أم أن الطعن لن يستوفي الشروط القانونية اللازمة..؟ الجواب ليس في بيانات الأحزاب ولا في حسابات المرشحين، وإنما في قرار القضاء الدستوري. لكن الرسالة الأهم يجب أن تصل إلى الجميع، وهي أن الانتخابات ليست غنيمة يتنازع عليها المتنافسون، بل أمانة ديمقراطية، وأي مساس بنزاهتها يمس جوهر التمثيل الشعبي وحق المواطنين في اختيار من ينوب عنهم. رأينا بترونس بريس هو أن نزاهة الانتخابات ليست شعاراً موسمياً، بل شرطاً أساسياً لشرعية المؤسسات.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News