قراءة في برنامج حكومة المنصوري

هناوي الهادي20 أكتوبر 2026Last Update :
قراءة في برنامج حكومة المنصوري

حكومة فاطمة الزهراء المنصوري وبرنامج بلا مليون منصب شغل حين تتراجع انتظارات الشباب أمام الحسابات السياسية

قراءة نقدية في الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، ومفارقة قانون الإثراء غير المشروع

ليس أصعب على حكومة جديدة من أن تبدأ مسارها السياسي وهي تحمل وعوداً كبيرة، ثم تجد نفسها أمام أسئلة اجتماعية أكثر إلحاحاً من الشعارات التي تضمنها برنامجها. وفي مقدمة هذه الأسئلة، يبرز ملف الشباب العاطل عن العمل، الذي لم يعد ينتظر خطابات مطمئنة أو عناوين براقة، بقدر ما ينتظر إجراءات ملموسة تفتح أمامه أبواب الشغل والاستقرار والكرامة. إن البرنامج الحكومي المنسوب إلى رئيسة الحكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري يطرح، من زاوية نقدية، سؤالاً جوهرياً، هل نجحت الأولويات المعلنة في الاستجابة لانتظارات الشباب المغربي، أم أن قضايا التشغيل ومحاربة البطالة لم تحظ بالوضوح والحجم اللذين تستحقهما في بلد يشكل فيه العمل مدخلاً أساسياً للاندماج الاجتماعي والثقة في المؤسسات..؟

أولاً /  مليون منصب شغل… أين الالتزام الواضح..؟ إن غياب هدف صريح ومحدد بشأن إحداث مليون منصب شغل، إذا تأكد من خلال النص الرسمي للبرنامج، لا يتعلق بمجرد رقم تقني يمكن تجاوزه في النقاش السياسي، بل يمس جوهر العقد الاجتماعي بين الحكومة والشعب. فالشاب العاطل لا تعنيه كثيراً كثرة المحاور والبرامج القطاعية إذا لم يجد بينها التزاماً واضحاً يجيب عن أسئلته المباشرة، كم منصب شغل ستحدث الحكومة..؟ وفي أي قطاعات..؟ ومتى وخلال أي مدة زمنية..؟ وما حصة الشباب حاملي الشهادات، وخريجي التكوين المهني، وسكان المناطق التي تعاني ضعف الاستثمار وفرص العمل..؟ إن أي برنامج حكومي لا يضع غلاء الأسعار والمعيشة والتشغيل في صدارة أولوياته، بأهداف كمية قابلة للقياس وآليات تنفيذ واضحة، يظل معرضاً للتحول إلى وثيقة لتدبير الانتظارات بدل أن يكون أداة لتغيير الواقع. ولا يكفي أن تتحدث الحكومة عن الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال ودعم المقاولات، لأن العلاقة بين الاستثمار وخلق فرص الشغل ليست آلية دائماً. فقد ترتفع الاستثمارات دون أن تنعكس بالقدر الكافي على التشغيل، خصوصاً عندما تتركز في قطاعات محدودة أو تعتمد على التكنولوجيا ورؤوس الأموال أكثر من اعتمادها على اليد العاملة. ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد إعلان نوايا، بل سياسة تشغيل تربط كل التزام بمؤشرات دقيقة، وتحدد المسؤوليات والآجال والموارد المالية، وتتيح للمواطنين تقييم النتائج ومحاسبة المسؤولين عنها.

ثانياً / الشباب لا يحتاج إلى الوعود وحدها إن البطالة ليست رقماً في تقرير اقتصادي، وإنما واقع يومي يعيشه آلاف الشباب الذين استثمروا سنوات من أعمارهم في الدراسة والتكوين، ليجدوا أنفسهم أمام سوق شغل لا يوفر لهم فرصاً تتناسب مع مؤهلاتهم وتطلعاتهم. وتتجاوز آثار هذه الأزمة حدود الدخل الفردي لتشمل تأخر الاستقلال المادي، وصعوبة تكوين الأسر، واتساع الشعور بالإقصاء، وتراجع الثقة في الخطاب السياسي. كما أن استمرار الفجوة بين الشهادات وفرص العمل يطرح أسئلة حقيقية حول العلاقة بين منظومة التعليم والتكوين وحاجيات الاقتصاد الوطني. لذلك، فإن البرنامج الحكومي الجاد مطالب بتقديم أجوبة واضحة عن التشغيل في القطاعين العام والخاص، وتشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل ولوج الشباب إلى التمويل، وتحسين ظروف الاستثمار المنتج، وتطوير التكوين المهني المرتبط بحاجيات سوق العمل. كما يتعين ألا تتحول برامج التشغيل إلى إجراءات ظرفية أو أرقام إدارية لا تعكس بالضرورة مناصب شغل مستقرة. فهناك فرق كبير بين فرصة عمل مؤقتة ومنصب قار يوفر دخلاً لائقاً وحماية اجتماعية وآفاقاً مهنية. ومن حق الشباب أن يعرف مسبقاً ما الذي ستقدمه الحكومة له، لا أن ينتظر إلى نهاية ولايتها ليكتشف أن الأهداف المعلنة لم تتحول إلى نتائج ملموسة.

ثالثاً /  قانون الإثراء غير المشروع… مفارقة تستدعي التوضيح ومن بين النقاط التي تستحق التوقف عندها، إدراج قانون الإثراء غير المشروع ضمن التوجهات المعلنة، في الوقت الذي سبق فيه أن أثار هذا الموضوع خلافات سياسية وتشريعية، كان من أبرز وجوهها عبد اللطيف وهبي، المنتمي إلى الحزب نفسه، وفق الموقف الذي يستحضره هذا النقاش. وهنا تبرز مفارقة سياسية تستحق المساءلة، كيف يمكن لحزب أن يدرج مكافحة الإثراء غير المشروع ضمن التزاماته المعلنة، بينما سبق أن ارتبط اسمه بمواقف معارضة لمقتضيات قانونية من هذا النوع..؟ إن هذا السؤال لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام مجاني أو حكم مسبق على النيات، بل إلى مطالبة سياسية مشروعة بتفسير التحول في الموقف، وتحديد طبيعة القانون المقصود، والصيغة التشريعية التي ستتبناها الحكومة، والضمانات التي ستوفرها لتطبيقه على الجميع دون انتقائية. فمكافحة الإثراء غير المشروع ليست مجرد عبارة يمكن إدراجها في برنامج حكومي لكسب ثقة الرأي العام، وإنما هي ورش يتطلب إطاراً قانونياً واضحاً، وآليات فعالة للتصريح بالممتلكات، والتحقق من مصادر الثروة عند توافر المبررات القانونية، وتعزيز الشفافية والرقابة، واحترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة. وإذا كانت الحكومة جادة في هذا الالتزام، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في تضمين العبارة داخل وثيقتها السياسية، بل في تقديم نص تشريعي متماسك، والدفاع عنه داخل المؤسسات، والعمل على إخراجه إلى حيز التنفيذ. أما إذا ظل الأمر في حدود الشعارات، فإن الفجوة بين الخطاب والممارسة ستزداد اتساعاً، وستصبح مكافحة الفساد عنواناً للاستهلاك السياسي بدل أن تكون سياسة عمومية قابلة للتقييم والمحاسبة.

رابعاً /  المصداقية السياسية تبدأ من الانسجام إن التناقض بين المواقف السابقة والالتزامات الجديدة لا يعني بالضرورة استحالة مراجعة المواقف السياسية، فالأحزاب من حقها أن تتعلم من التجربة وأن تصحح اختياراتها. لكن المراجعة الحقيقية تستوجب الوضوح والاعتراف بأسباب التحول، لا الاكتفاء بتقديم الموقف الجديد كما لو أنه لم يسبقه أي خلاف. ومن هنا، فإن مسؤولية رئيسة الحكومة لا تقتصر على إعلان التوجهات، بل تشمل ضمان الانسجام بين مكونات الأغلبية، وتحويل الالتزامات إلى مشاريع قانونية وبرامج ممولة، وإقناع المواطنين بأن ما يرد في البرنامج ليس مجرد توافق سياسي بين الأحزاب. فالمواطن المغربي لم يعد يكتفي بمعرفة ما تقوله الحكومة، بل يريد أن يعرف كيف ستنفذه، ومن سيتحمل مسؤولية تعثره، وما الوسائل المتاحة لمراقبة النتائج.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News